محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
|٩٧| ( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين٩٧ ).
( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) وهو الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد البيت. قال ابن كثير وقد كان ملتصقا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده، حيث قال :( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى )، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة. قال بعض المفسرين : ثمرة الآية الترغيب / في زيارة البعض الحرام وفعل الطاعات فيه، لأنه تعالى وصفه بالبركة والهدى وجعل فيه آيات بينات.
لطيفة :
مقام إبراهيم مبتدأ حذف خبره، أي منها مقام إبراهيم، أو بدل من آيات، بدل البعض من الكل، أو عطف بيان، إما وحده باعتبار كونه بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى وعلى نبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى :( ان إبراهيم كان أمة قانتا ). أو باعتبار اشتماله على آيات كثيرة. قالوا : فان كل واحد من أثر قدميه في صخرة صماء، وغوصه فيها إلى الكعبين وإلانة بعض الصخور دون بعض، وإبقاءه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام، وحفظه، مع كثرة الأعداء، ألوف سنة، آية مستقلة. ويؤيده قراءة ( آية بينة ) على التوحيد، وإما بما يفهم من قوله عز وجل :
( ومن دخله كان آمنا ) فانه وان كان جملة مستأنفة ابتدائية أو شرطية، لكنها في قوة ان يقال " وأمن من دخله " فتكون، بحسب المعنى والمآل، معطوفة على مقام إبراهيم، ولا يخفى أن الاثنين نوع من الجمع فيكتفي بذلك، أو يحمل على انه ذكر من تلك الآيات اثنتان وطوي ذكر ما عداهما دلالة على كثرتها –أفاده أبو السعود- قال المهايمي :( فيه آيات بينات ) رمي الطير أصحاب الفيل بحجارة من سجيل، وتعجيل عقوبة من عتا فيه، وإجابة دعاء من دعا تحت ميزابه، وإذعان النفوس لتوقيره من غير زاجر، ومن أعظمها. النازل منزلة الكل، مقام إبراهيم، الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد البيت، كلما علا الجدار ارتفع الحجر في الهواء، ثم لين، فغرقت فيه قدماه، كأنهما في طين، فبقي أثره إلى يوم القيامة. ومن آياته أن من دخله كان آمنا من نهب العرب وقتالهم، وقد امن صيده وأشجاره ا ه. / قال أبو السعود : ومعنى أمن داخله : أمنه من التعرض له كما قوله تعالى :( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم )، وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام :( رب اجعل هذا البلد آمنا )، وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر رضي الله عنه :" لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج عنه " ا ه.
تنبيه :
ما أفادته الآية من إثبات الأمان لداخله إنما هو بتحريمه الشرعي الذي وردت به الآيات، وأوضحته الأحاديث والآثار. ففي ( الصحيحين )، واللفظ لمسلم، عن ابن عباس رضي الله عنه قال :" قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة : لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ". وقال يوم فتح مكة :" ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته، إلا من عرفها، ولا يختلي خلاها. فقال العباس : يا رسول الله إلا الاذخر فانه لقينهم ولبيوتهم، فقال : إلا الاذخر ". ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه، / ولهما، واللفظ لمسلم أيضا، عن أبي شريح العدوي " أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة، ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به، انه حمد الله وأثنى عليه ثم قال : ان مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة، فان أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له : ان الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبي شريح : ما قال لك ؟ قال : أنا اعلم بذلك منك يا أبا شريح. ان الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة ". ( لأي بسبب السرقة. )
قال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) : قوله فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما، هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها، لكونها حرما، كما ان تحريم عضد الشجرة بها واختلاء خلائها والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة التخصيص، وهذا أنواع :
أحدهما :
وهو الذي ساقه أبو شريح العدوي لأجله، أن الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل لاسيما ان كان لها تأويل. كما امتنع أهل مكة من مبايعة يزيد، وبايعوا ابن الزبير. فلم يكن قتالهم ونصب المنجنيق عليهم وإحلال حرم الله جائزا بالنص والإجماع، وإنما خالف / في ذلك عمرو بن سعيد الفاسق وشيعته، وعارض نص رسول الله ﷺ برأيه وهواه فقال : ان الحرم لا يعيذ عاصيا، فيقال له : هو لا يعيذ عاصيا من عذاب الله ولو لم يعذه من سفك دمه لم يكن حرما بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرما بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم، وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه، وقام الإسلام على ذلك، وإنما لم يعد مقيس بن صبابة وابن خطل ومن سمي معهما لأنه في تلك الساعة لم يكن حرما بل حلا، فلما انقصت ساعة الحرب عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السماوات والأرض. وكانت العرب في جاهليتها، يرى الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم فلا يهيجه، وكان ذلك بينهم خاصة الحرم التي صار بها حرما. ثم جاء الإسلام فأكد ذلك وقواه، وعلم النبي ﷺ أن من الأمة من يتأسى به في إحلاله بالقتال والقتل، فقطع الإلحاق وقال لأصحابه : فان أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا : ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لك، وعلى هذا فمن أتى حدا أو قصاصا خارج الحرم يوجب القتل، ثم لجأ إليه، لم يجز إقامته عليه فيه. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال :" لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه ". وذكر عن عبد الله بن عمر انه قال :" لو وجدت فيه قاتل عمر ما بدهته ". وعن ابن عباس أنه قال :" لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه "، وهذا قول الجمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه. واليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله ومن وافقه من أهل العراق، والامام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث. وذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى منه في الحرم كما يستوفى منه في الحل، وهو اختيار ابن المنذر، واحتج لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل مكان وزمان، وبأن النبي ﷺ قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، وبما يروى / عن النبي ﷺ أنه قال :" ان الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا بخربة "، وبأنه لو كان الحدود والقصاص فيما دون النفس لم يعذه الحرم، ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنه لو أتى فيه بما يوجب حدا أو قصاصا لم يعذه الحرم ولم يمنع من إقامته، فكذلك إذا أتاه خارجه ثم لجأ إليه، إذ كونه حرما بالنسبة إلى عصمته لا يختلف بين الأمرين، وبأنه حيوان أبيح قتله لفساده، فلم يفترق الحال بين قتله لاجئا إلى الحرم وبين كونه قد أوجب ما أبيح قتله فيه، كالحية والحدأة والكلب العقور، ولأن النبي ﷺ قال :" خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ". فنبه بقتلهن في الحل والحرم على العلة –وهي فسقهن- ولم يجعل التجاءهن إلى الحرم مانعا من قتلهن، وكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب القتل. قال الأولون : ليس في هذا ما يعارض ما ذكرنا من الأدلة، ولا سيما قوله تعالى :( ومن دخله كان آمنا ) وهذا إما إخبار بمعنى الأمر لاستحالة الخلف في خبره تعالى، وإما خبر عن شرعه ودينه الذي شرعه في حرمه، وإما إخبار عن الأمر المعهود المستمر في حرمه في الجاهلية والإسلام كما قال تعالى :( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف / الناس من حولهم ). وقوله تعالى :( وقالوا ان نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء ).
وما عدا هذا من الأقوال الباطلة فلا يلتفت إليه كقول بعضهم : من دخله كان آمنا من النار، وقول بعضهم : كان آمنا من الموت على غير الإسلام، ونحو ذلك، فكم ممن دخله وهو في قعر الجحيم. وأما العمومات الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان فيقال أولا : لا تعرض في تلك العمومات لزمان الاستيفاء ولا مكانه، كما لا تعرض فيها شروطه وعدم موانعه، فان اللفظ لا يدل عليها بوضعه، ولا بتضمنه فهو مطلق بالنسبة إليها، ولهذا إذا كان للحكم شرط أو مانع لم يقل ان توقف الحكم عليه تخصيص لذلك العام، فلا يقول محصل ان قوله تعالى :( وأحل لكم ما وراء ذلكم ). مخصوص بالمنكوحة في عدتها أو بغير إذن وليها، أو بغير شهود، فهكذا النصوص العامة في استيفاء الحدود والقصاص لا تعرض فيها لزمنه ولا مكانه ولا شرطه ولا مانعه، ولو قدر تناول اللفظ لذلك لوجب تخصيصه بالأدلة الدالة على المنع، لئلا يبطل موجبها، ووجب حمل اللفظ العام على ما عداها كسائر نظائره، وإذا خصصتم تلك العمومات بالحامل والمرضع والمريض الذي يرجى برؤه، والحال المحرمة للاستيفاء كشدة المرض أو البرد أو الحر، فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة ؟ وان قلتم ليس ذلك تخصيصا بل تقييدا لمطلقها كلنا لكم هذا الصاع / سواء بسواء. وأما قتل ابن خطل فقد تقدم أنه كان في وقت الحل، وان النبي ﷺ قطع الإلحاق، ونص على أن ذلك من خصائصه، وقوله ﷺ :" وإنما أحلت لي ساعة من نهار "، صريح في أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصة، إذ لو كان حلالا في كل وقت، لم يختص بتلك الساعة، وهذا صريح في أن الدم الحلال في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة. وأما قوله : الحرم لا يعيذ عاصيا، فهو من كلام الفاسق عمرو بن سعيد الأشدق، يرد به حديث رسول الله ﷺ حين روى له أبو شريح الكعبي هذا الحديث، كما جاء مبينا في ( الصحيح )، فكيف يقدم على قول رسول الله ﷺ ؟ وأما قولكم : لو كان الحد والقصاص فيما دون النفس لم يعذه الحرم منه، فهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد رحمه الله، فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن فرق قال سفك الدم إما ينصرف إلى القتل ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه، لأن حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، قالوا : ولأن الحد بالجلد أو القطع يجري مجرى التأديب، فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده. وظاهر هذا المذهب انه لا فرق بي
( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ) وهو الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد البيت. قال ابن كثير وقد كان ملتصقا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إمارته إلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه، ولا يشوشون على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده، حيث قال :( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى )، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة. قال بعض المفسرين : ثمرة الآية الترغيب / في زيارة البعض الحرام وفعل الطاعات فيه، لأنه تعالى وصفه بالبركة والهدى وجعل فيه آيات بينات.
لطيفة :
مقام إبراهيم مبتدأ حذف خبره، أي منها مقام إبراهيم، أو بدل من آيات، بدل البعض من الكل، أو عطف بيان، إما وحده باعتبار كونه بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة الله تعالى وعلى نبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام كقوله تعالى :( ان إبراهيم كان أمة قانتا ). أو باعتبار اشتماله على آيات كثيرة. قالوا : فان كل واحد من أثر قدميه في صخرة صماء، وغوصه فيها إلى الكعبين وإلانة بعض الصخور دون بعض، وإبقاءه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام، وحفظه، مع كثرة الأعداء، ألوف سنة، آية مستقلة. ويؤيده قراءة ( آية بينة ) على التوحيد، وإما بما يفهم من قوله عز وجل :
( ومن دخله كان آمنا ) فانه وان كان جملة مستأنفة ابتدائية أو شرطية، لكنها في قوة ان يقال " وأمن من دخله " فتكون، بحسب المعنى والمآل، معطوفة على مقام إبراهيم، ولا يخفى أن الاثنين نوع من الجمع فيكتفي بذلك، أو يحمل على انه ذكر من تلك الآيات اثنتان وطوي ذكر ما عداهما دلالة على كثرتها –أفاده أبو السعود- قال المهايمي :( فيه آيات بينات ) رمي الطير أصحاب الفيل بحجارة من سجيل، وتعجيل عقوبة من عتا فيه، وإجابة دعاء من دعا تحت ميزابه، وإذعان النفوس لتوقيره من غير زاجر، ومن أعظمها. النازل منزلة الكل، مقام إبراهيم، الحجر الذي قام عليه عند رفعه قواعد البيت، كلما علا الجدار ارتفع الحجر في الهواء، ثم لين، فغرقت فيه قدماه، كأنهما في طين، فبقي أثره إلى يوم القيامة. ومن آياته أن من دخله كان آمنا من نهب العرب وقتالهم، وقد امن صيده وأشجاره ا ه. / قال أبو السعود : ومعنى أمن داخله : أمنه من التعرض له كما قوله تعالى :( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم )، وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام :( رب اجعل هذا البلد آمنا )، وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر رضي الله عنه :" لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج عنه " ا ه.
تنبيه :
ما أفادته الآية من إثبات الأمان لداخله إنما هو بتحريمه الشرعي الذي وردت به الآيات، وأوضحته الأحاديث والآثار. ففي ( الصحيحين )، واللفظ لمسلم، عن ابن عباس رضي الله عنه قال :" قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة : لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا ". وقال يوم فتح مكة :" ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته، إلا من عرفها، ولا يختلي خلاها. فقال العباس : يا رسول الله إلا الاذخر فانه لقينهم ولبيوتهم، فقال : إلا الاذخر ". ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه، / ولهما، واللفظ لمسلم أيضا، عن أبي شريح العدوي " أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة، ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به، انه حمد الله وأثنى عليه ثم قال : ان مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة، فان أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له : ان الله أذن لنبيه ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبي شريح : ما قال لك ؟ قال : أنا اعلم بذلك منك يا أبا شريح. ان الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة ". ( لأي بسبب السرقة. )
قال الإمام ابن القيم في ( زاد المعاد ) : قوله فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما، هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها، لكونها حرما، كما ان تحريم عضد الشجرة بها واختلاء خلائها والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة التخصيص، وهذا أنواع :
أحدهما :
وهو الذي ساقه أبو شريح العدوي لأجله، أن الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل لاسيما ان كان لها تأويل. كما امتنع أهل مكة من مبايعة يزيد، وبايعوا ابن الزبير. فلم يكن قتالهم ونصب المنجنيق عليهم وإحلال حرم الله جائزا بالنص والإجماع، وإنما خالف / في ذلك عمرو بن سعيد الفاسق وشيعته، وعارض نص رسول الله ﷺ برأيه وهواه فقال : ان الحرم لا يعيذ عاصيا، فيقال له : هو لا يعيذ عاصيا من عذاب الله ولو لم يعذه من سفك دمه لم يكن حرما بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرما بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم، وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه، وقام الإسلام على ذلك، وإنما لم يعد مقيس بن صبابة وابن خطل ومن سمي معهما لأنه في تلك الساعة لم يكن حرما بل حلا، فلما انقصت ساعة الحرب عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السماوات والأرض. وكانت العرب في جاهليتها، يرى الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم فلا يهيجه، وكان ذلك بينهم خاصة الحرم التي صار بها حرما. ثم جاء الإسلام فأكد ذلك وقواه، وعلم النبي ﷺ أن من الأمة من يتأسى به في إحلاله بالقتال والقتل، فقطع الإلحاق وقال لأصحابه : فان أحد ترخص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا : ان الله أذن لرسوله ولم يأذن لك، وعلى هذا فمن أتى حدا أو قصاصا خارج الحرم يوجب القتل، ثم لجأ إليه، لم يجز إقامته عليه فيه. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال :" لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه ". وذكر عن عبد الله بن عمر انه قال :" لو وجدت فيه قاتل عمر ما بدهته ". وعن ابن عباس أنه قال :" لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه "، وهذا قول الجمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه. واليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله ومن وافقه من أهل العراق، والامام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث. وذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى منه في الحرم كما يستوفى منه في الحل، وهو اختيار ابن المنذر، واحتج لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل مكان وزمان، وبأن النبي ﷺ قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، وبما يروى / عن النبي ﷺ أنه قال :" ان الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا بخربة "، وبأنه لو كان الحدود والقصاص فيما دون النفس لم يعذه الحرم، ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنه لو أتى فيه بما يوجب حدا أو قصاصا لم يعذه الحرم ولم يمنع من إقامته، فكذلك إذا أتاه خارجه ثم لجأ إليه، إذ كونه حرما بالنسبة إلى عصمته لا يختلف بين الأمرين، وبأنه حيوان أبيح قتله لفساده، فلم يفترق الحال بين قتله لاجئا إلى الحرم وبين كونه قد أوجب ما أبيح قتله فيه، كالحية والحدأة والكلب العقور، ولأن النبي ﷺ قال :" خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم ". فنبه بقتلهن في الحل والحرم على العلة –وهي فسقهن- ولم يجعل التجاءهن إلى الحرم مانعا من قتلهن، وكذلك فاسق بني آدم الذي قد استوجب القتل. قال الأولون : ليس في هذا ما يعارض ما ذكرنا من الأدلة، ولا سيما قوله تعالى :( ومن دخله كان آمنا ) وهذا إما إخبار بمعنى الأمر لاستحالة الخلف في خبره تعالى، وإما خبر عن شرعه ودينه الذي شرعه في حرمه، وإما إخبار عن الأمر المعهود المستمر في حرمه في الجاهلية والإسلام كما قال تعالى :( أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف / الناس من حولهم ). وقوله تعالى :( وقالوا ان نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا، أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء ).
وما عدا هذا من الأقوال الباطلة فلا يلتفت إليه كقول بعضهم : من دخله كان آمنا من النار، وقول بعضهم : كان آمنا من الموت على غير الإسلام، ونحو ذلك، فكم ممن دخله وهو في قعر الجحيم. وأما العمومات الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان فيقال أولا : لا تعرض في تلك العمومات لزمان الاستيفاء ولا مكانه، كما لا تعرض فيها شروطه وعدم موانعه، فان اللفظ لا يدل عليها بوضعه، ولا بتضمنه فهو مطلق بالنسبة إليها، ولهذا إذا كان للحكم شرط أو مانع لم يقل ان توقف الحكم عليه تخصيص لذلك العام، فلا يقول محصل ان قوله تعالى :( وأحل لكم ما وراء ذلكم ). مخصوص بالمنكوحة في عدتها أو بغير إذن وليها، أو بغير شهود، فهكذا النصوص العامة في استيفاء الحدود والقصاص لا تعرض فيها لزمنه ولا مكانه ولا شرطه ولا مانعه، ولو قدر تناول اللفظ لذلك لوجب تخصيصه بالأدلة الدالة على المنع، لئلا يبطل موجبها، ووجب حمل اللفظ العام على ما عداها كسائر نظائره، وإذا خصصتم تلك العمومات بالحامل والمرضع والمريض الذي يرجى برؤه، والحال المحرمة للاستيفاء كشدة المرض أو البرد أو الحر، فما المانع من تخصيصها بهذه الأدلة ؟ وان قلتم ليس ذلك تخصيصا بل تقييدا لمطلقها كلنا لكم هذا الصاع / سواء بسواء. وأما قتل ابن خطل فقد تقدم أنه كان في وقت الحل، وان النبي ﷺ قطع الإلحاق، ونص على أن ذلك من خصائصه، وقوله ﷺ :" وإنما أحلت لي ساعة من نهار "، صريح في أنه إنما أحل له سفك دم حلال في غير الحرم في تلك الساعة خاصة، إذ لو كان حلالا في كل وقت، لم يختص بتلك الساعة، وهذا صريح في أن الدم الحلال في غيرها حرام فيها، فيما عدا تلك الساعة. وأما قوله : الحرم لا يعيذ عاصيا، فهو من كلام الفاسق عمرو بن سعيد الأشدق، يرد به حديث رسول الله ﷺ حين روى له أبو شريح الكعبي هذا الحديث، كما جاء مبينا في ( الصحيح )، فكيف يقدم على قول رسول الله ﷺ ؟ وأما قولكم : لو كان الحد والقصاص فيما دون النفس لم يعذه الحرم منه، فهذه المسألة فيها قولان للعلماء وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد رحمه الله، فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن فرق قال سفك الدم إما ينصرف إلى القتل ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه، لأن حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، قالوا : ولأن الحد بالجلد أو القطع يجري مجرى التأديب، فلم يمنع منه كتأديب السيد عبده. وظاهر هذا المذهب انه لا فرق بي