المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
الضمير في قوله :﴿فيه﴾ عائد على البيت، وساغ ذلك مع كون «الآيات » خارجة عنه لأن البيت إنما وضع بحرمه وجميع فضائله، فهي فيه وإن لم تكن داخل جدرانه، وقرأ جمهور الناس :«آيات بينات » بالجمع، وقرأ أبي بن كعب وعمر وابن عباس :«آية بينة » على الإفراد، قال الطبري : يريد علامة -واحدة المقام وحده، وحكي ذلك عن مجاهد.
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يراد بالآية اسم الجنس فيقرب من معنى القراءة الأولى، واختلفت عبارة المفسرين عن «الآيات البينات » فقال ابن عباس : من الآيات المقام، يريد الحجر المعروف والمشعر وغير ذلك.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وهذا يدل على أن قراءته «آية » بالإفراد إنما يراد بها اسم الجنس، وقال الحسن بن أبي الحسن :«الآيات البينات » مقام إبراهيم، وإن من دخله كان آمناً، وقال مجاهد : المقام الآية، وقوله :﴿ومن دخله كان آمناً﴾ كلام آخر.
قال القاضي أبو محمد : فرفع ﴿مقام﴾ على قول الحسن ومجاهد على البدل من ﴿آيات﴾، أو على خبر ابتداء تقديره هن مقام إبراهيم، وعلى قول ابن عباس ومن نحا نحوه : هو مرتفع بالابتداء وخبره محذوف مقدم تقديره : منهن ﴿مقام إبراهيم﴾.
قال القاضي : والمترجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالاً مما في حرم الله من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم، ومن آيات الحرم والبيت التي تقوم بها الحجة على الكفار أمر الفيل، ورمي طير الله عنه بحجارة السجيل، وذلك أمر لم تختلف كافة العرب في نقله وصحته إلى أن أنزله الله في كتابه، ومن آياته كف الجبابرة عنه على وجه الدهر، ومن آياته الحجر الأسود، وما روي فيه أنه من الجنة وما أشربت قلوب العالم من تعظيمه قبل الإسلام، ومن آياته حجر المقام، وذلك أنه قام عليه إبراهيم عليه السلام، وقت رفعه القواعد من البيت، لما طال له البناء فكلما علا الجدار، ارتفع الحجر به في الهواء، فما زال يبني وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين حتى أكمل الجدار، ثم إن الله تعالى، لما أراد إبقاء ذلك آية للعالمين لين الحجر، فغرقت فيه قدما إبراهيم عليه السلام كأنها في طين، فذلك الأثر العظيم باق في الحجر إلى اليوم، وقد نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الأعصار، وقال أبو طالب(١) :[ الطويل ]
ومَوْطِىءُ إبراهيمَ في الصَّخرِ رطْبَةٌ. . . على قَدَمِيهِ حافياً غيرَ ناعِلِ
فما حفظ أن أحداً من الناس نازع في هذا القول، ومن آياته البينات زمزم في نبعها لهاجر بهمز جبريل عليه السلام الأرض بعقبه، وفي حفر عبد المطلب لها آخراً بعد دثورها بتلك الرؤيا المشهورة، وبما نبع من الماء تحت خف ناقته في سفره، إلى منافرة قريش ومخاصمتها في أمر زمزم، ذكر ذلك ابن إسحاق مستوعباً، ومن آيات البيت نفع ماء زمزم لما شرب له، وأنه يعظم ماؤها في الموسم، ويكثر كثرة خارقة للعادة في الآبار، ومن آياته، الأمنة الثابتة فيه على قديم الدهر، وأن العرب كانت تغير بعضها على بعض ويتخطف الناس بالقتل، وأخذ الأموال وأنواع الظلم إلا في الحرم، وتركب على هذا أمن الحيوان فيه، وسلامة الشجر، وذلك كله للبركة التي خصه الله بها، والدعوة من الخليل عليه السلام في قوله، ﴿اجعل هذا بلداً آمناً﴾(٢)، وإذعان نفوس العرب وغيرهم قاطبة لتوقير هذه البقعة دون ناه، ولا زاجر، آية عظمى تقوم بها الحجة، وهي التي فسرت بقوله تعالى :﴿ومن دخله كان آمناً﴾ ومن آياته كونه بواد غير ذي زرع، والأرزاق من كل قطر تجيء إليه عن قرب وعن بعد، ومن آياته، ما ذكر ابن القاسم العتقي رحمه الله، قال في النوادر، وغيرها : سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجيء سيل من الحل فيدخل الحرم.
قال القاضي أبو محمد : هذا والله أعلم، لأن الله تعالى جعله ربوة أو في حكمها ليكون أصون له، والحرم فيما حكى ابن أبي زيد في الحج الثاني من النوادر. مما يلي المدينة نحو من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم، ومما يلي العراق نحو من ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال، إلى موضع يقال له أضاة، ومما يلي جدة عشرة أميال إلى منتهى الحديبية، قال مالك في العتبية : والحديبية في الحرم، ومن آياته فيما ذكر مكي وغيره، أن الطير لا تعلوه، وإن علاه طائر فإنما ذلك لمرض به، فهو يستشفي بالبيت، وهذا كله عندي ضعيف، والطير تعاين تعلوه، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره، وتلك كانت من آياته ومن آياته فيما ذكر الناس قديماً وحديثاً، أنه إذا عمه المطر من جوانبه الأربعة في العام الواحد، أخصبت آفاق الأرض، وإن لم يصب جانباً منه لم يخصب ذلك الأفق الذي يليه ذلك العام، واختلف الناس في ﴿مقام إبراهيم﴾، فقال الجمهور : هو الحجر المعروف، وقال قوم : البيت كله مقام إبراهيم لأنه بناه وقام في جميع أقطاره، وقال قوم من العلماء مكة كلها مقام إبراهيم، وقال قوم : الحرم كله مقام إبراهيم، والضمير في قوله :﴿ومن دخله﴾ عائد على الحرم في قول من قال : مقام إبراهيم هو الحرم، وعائد على البيت في قول الجمهور، إذ لم يتقدم ذكر لغيره، إلا أن المعنى يفهم منه أن من دخل الحرم فهو في الأمن، إذا الحرم جزء من البيت، إذ هو بسببه ولحرمته.
واختلف الناس في معنى قوله ﴿كان آمناً﴾ فقال الحسن وقتادة وعطاء ومجاهد وغيرهم : هذه وصف حال كانت في الجاهلية أن الذي يجر جريرة ثم يدخل الحرم، فإنه كان لا يتناول ولا يطلب فأما في الإسلام وأمن جميع الأقطار، فإن الحرم لا يمنع من حد من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى رجم، ومن قتل قتل، واستحسن كثير ممن قال هذا القول أن يخرج من وجب عليه القتل إلى الحل فيقتل هنالك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من أحدث حدثاً ثم استجار بالبيت فهو آمن، وإن الأمن في الإسلام كما كان في الجاهلية، والإسلام زاد البيت شرفاً وتوقيراً، فلا يعرض أحد بمكة لقاتل وليه، إلا أنه يجب على المسلمين ألا يبايعوا ذلك الجاني ولا يكلموه ولا يؤوه حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد، وقال بمثل هذا عبيد بن عمير والشعبي وعطاء بن أبي رباح والسدي وغيرهم، إلا أن أكثرهم قالوا هذا فيمن يقتل خارج الحرم ثم يعوذ بالحرم، فأما من يقتل في الحرم، فإنه يقام عليه الحد في الحرم.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وإذا تؤمل أمر هذا الذي لا يكلم ولا يبايع، فليس بآمن، وقال يحيى بن جعدة(٣) : معنى الآية ومن دخل البيت كان آمناً من النار، وحكى النقاش عن بعض العباد قال : كنت أطوف حول الكعبة ليلاً فقلت : يا رب إنك قلت :﴿ومن دخله كان آمناً﴾، فمن ماذا هو آمن يا رب ؟ فسمعت مكلماً يكلمني وهو يقول : من النار، فنظرت وتأملت فما كان في المكان أحد.
وقوله تعالى :﴿ولله على الناس حج البيت﴾ الآية، هو فرض الحج في كتاب الله بإجماع، وقال مالك رحمه الله : الحج كله في كتاب الله، فأما الصلاة والزكاة فهي من جملة الذي فسره النبي عليه السلام، والحج من دعائم الإسلام التي بني عليها حسب الحديث(٤)، وشروط وجوبه خمسة، البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، واستطاعة السبيل، والحج في اللغة، القصد لكنه في بيت الله مخصص بأعمال وأقوال، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عصام :«حِج البيت » بكسر الحاء، وقرأ الباقون :«حَج البيت » قالوا غزاة فأرادوا عمل وجه واحد، كما قيل حجة.
قال القاضي : بكسر الحاء يريدون عمل سنة واحدة، ولم يجيئوا به على الأصل لكنه اسم له(٥)، قال أبو علي : قوله لم يجيئوا به على الأصل يريد على الفتح الذي هو الدفعة من الفعل، ولكن كسروه فجعلوه اسماً لهذا المعنى، كما أن غزاة كذلك، ولم تجىء فيه الغزوة وكان القياس.
قال القاضي : وأكثر ما التزم كسر الحاء في قولهم ذو الحِجة، وأما قولهم حجة الوداع ونحوه فإنها على الأصل، وقال الزجّاج وغيره، «الحَج » : بفتح الحاء المصدر، وبكسرها اسم العمل، وقال الطبري : هما لغتان الكسر لغة نجد، والفتح لغة أهل العالية.
وقوله تعالى :﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾، ﴿من﴾ في موضع خفض بدل من ﴿الناس﴾، وهو بدل البعض من الكل وقال الكسائي وغيره : هي شرط في موضع رفع بالابتداء، والجواب محذوف تقديره : من استطاع فعليه الحج، ويدل عليه عطف الشرط الآخر بعده في قوله :﴿ومن كفر﴾، وقال بعض البصريين :﴿من﴾ رفع على أنه فاعل بالمصدر الذي هو ﴿حج البيت﴾ ويكون المصدر مضافاً إلى المفعول، واختلف الناس في حال مستطيع السبيل كيف هي ؟ فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير : هي حال الذي يجد زاداً وراحلة، وروى الطبري عن الحسن من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي(٦) أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية فقال له رجل : يا رسول الله ما السبيل ؟ قال :( الزاد والراحلة ) (٧)، وأسند الطبري إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله ﷺ :«من ملك زاداً وراحلة فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً »(٨)، وروى عبد الرزاق وسفيان عن إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر(٩) عن ابن عمر قال : قام رجل إلى النبي عليه السلام، فقال : ما السبيل ؟ قال : الزاد والراحلة.
قال القاضي : وضعّف قوم هذا الحديث، لأن إبراهيم بن يزيد الخوزي تكلم فيه ابن معين(١٠) وغيره، والحديث مستغن عن طريق إبراهيم، وقال بعض البغداديين، هذا الحديث مشير إلى أن الحج لا يجب مشياً.
قال القاضي : والذي أقول : إن هذا الحديث إنما خرج على الغالب من أحوال الناس وهو البعد عن مكة واستصعاب المشي على القدم كثيراً، فأما القريب الدار فلا يدخل في الحديث، لأن القرب أغناه عن زاد وراحلة، وأما الذي يستطيع المشي من الأقطار البعيدة، فالراحلة عنده بالمعنى والقوة التي وهب، وقد ذكره الله تعالى في قوله :﴿يأتوك رجالاً﴾ [الحج: ٢٧] وكذلك أيضاً معنى الحديث : الزاد والراحلة لمن لم يكن له عذر في بدنه، من مرض أو خوف على أقسامه أو استحقاق بأجرة أو دين وهو يحاول الأداء ويطمع فيه بتصرفه في مال بين يديه، وأما العديم فله أن يحج إذا تكلف واستطاع، فمقصد الحديث : أن يتحدد موضع الوجوب على البعيد الدار، وأما المشاة وأصحاب الأعذار فكثير منهم من يتكلف السفر، وإن كان الحج غير واجب عليه، ثم يؤديه ذلك التكلف إلى موضع يجب فيه الحج عليه، وهذه مبالغة في طلب الأجر ونيله إن شاء الله تعالى، وذهبت فرقة من العلماء إلى قوله تعالى :﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ كلام عام لا يتفسر بزاد وراحلة ولا غير ذلك، بل إذا كان مستطعياً غير شاق على نفسه فقد وجب عليه الحج، قال ذلك ابن الزبير والضحاك، وقال الحسن : من وجد شيئاً يبلغه فقد استطاع إليه سبيلاً، وقال عكرمة : استطاعة السبيل الصحة، وقال ابن عباس : من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل إليه، وقال مالك بن أنس رضي الله عنه، في سماع أشهب من العتبية، وفي كتاب محمد، وقد ق
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يراد بالآية اسم الجنس فيقرب من معنى القراءة الأولى، واختلفت عبارة المفسرين عن «الآيات البينات » فقال ابن عباس : من الآيات المقام، يريد الحجر المعروف والمشعر وغير ذلك.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وهذا يدل على أن قراءته «آية » بالإفراد إنما يراد بها اسم الجنس، وقال الحسن بن أبي الحسن :«الآيات البينات » مقام إبراهيم، وإن من دخله كان آمناً، وقال مجاهد : المقام الآية، وقوله :﴿ومن دخله كان آمناً﴾ كلام آخر.
قال القاضي أبو محمد : فرفع ﴿مقام﴾ على قول الحسن ومجاهد على البدل من ﴿آيات﴾، أو على خبر ابتداء تقديره هن مقام إبراهيم، وعلى قول ابن عباس ومن نحا نحوه : هو مرتفع بالابتداء وخبره محذوف مقدم تقديره : منهن ﴿مقام إبراهيم﴾.
قال القاضي : والمترجح عندي أن المقام وأمن الداخل جعلا مثالاً مما في حرم الله من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما، وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم، ومن آيات الحرم والبيت التي تقوم بها الحجة على الكفار أمر الفيل، ورمي طير الله عنه بحجارة السجيل، وذلك أمر لم تختلف كافة العرب في نقله وصحته إلى أن أنزله الله في كتابه، ومن آياته كف الجبابرة عنه على وجه الدهر، ومن آياته الحجر الأسود، وما روي فيه أنه من الجنة وما أشربت قلوب العالم من تعظيمه قبل الإسلام، ومن آياته حجر المقام، وذلك أنه قام عليه إبراهيم عليه السلام، وقت رفعه القواعد من البيت، لما طال له البناء فكلما علا الجدار، ارتفع الحجر به في الهواء، فما زال يبني وهو قائم عليه وإسماعيل يناوله الحجارة والطين حتى أكمل الجدار، ثم إن الله تعالى، لما أراد إبقاء ذلك آية للعالمين لين الحجر، فغرقت فيه قدما إبراهيم عليه السلام كأنها في طين، فذلك الأثر العظيم باق في الحجر إلى اليوم، وقد نقلت كافة العرب ذلك في الجاهلية على مرور الأعصار، وقال أبو طالب(١) :[ الطويل ]
ومَوْطِىءُ إبراهيمَ في الصَّخرِ رطْبَةٌ. . . على قَدَمِيهِ حافياً غيرَ ناعِلِ
فما حفظ أن أحداً من الناس نازع في هذا القول، ومن آياته البينات زمزم في نبعها لهاجر بهمز جبريل عليه السلام الأرض بعقبه، وفي حفر عبد المطلب لها آخراً بعد دثورها بتلك الرؤيا المشهورة، وبما نبع من الماء تحت خف ناقته في سفره، إلى منافرة قريش ومخاصمتها في أمر زمزم، ذكر ذلك ابن إسحاق مستوعباً، ومن آيات البيت نفع ماء زمزم لما شرب له، وأنه يعظم ماؤها في الموسم، ويكثر كثرة خارقة للعادة في الآبار، ومن آياته، الأمنة الثابتة فيه على قديم الدهر، وأن العرب كانت تغير بعضها على بعض ويتخطف الناس بالقتل، وأخذ الأموال وأنواع الظلم إلا في الحرم، وتركب على هذا أمن الحيوان فيه، وسلامة الشجر، وذلك كله للبركة التي خصه الله بها، والدعوة من الخليل عليه السلام في قوله، ﴿اجعل هذا بلداً آمناً﴾(٢)، وإذعان نفوس العرب وغيرهم قاطبة لتوقير هذه البقعة دون ناه، ولا زاجر، آية عظمى تقوم بها الحجة، وهي التي فسرت بقوله تعالى :﴿ومن دخله كان آمناً﴾ ومن آياته كونه بواد غير ذي زرع، والأرزاق من كل قطر تجيء إليه عن قرب وعن بعد، ومن آياته، ما ذكر ابن القاسم العتقي رحمه الله، قال في النوادر، وغيرها : سمعت أن الحرم يعرف بأن لا يجيء سيل من الحل فيدخل الحرم.
قال القاضي أبو محمد : هذا والله أعلم، لأن الله تعالى جعله ربوة أو في حكمها ليكون أصون له، والحرم فيما حكى ابن أبي زيد في الحج الثاني من النوادر. مما يلي المدينة نحو من أربعة أميال إلى منتهى التنعيم، ومما يلي العراق نحو من ثمانية أميال إلى مكان يقال له المقطع، ومما يلي عرفة تسعة أميال، ومما يلي طريق اليمن سبعة أميال، إلى موضع يقال له أضاة، ومما يلي جدة عشرة أميال إلى منتهى الحديبية، قال مالك في العتبية : والحديبية في الحرم، ومن آياته فيما ذكر مكي وغيره، أن الطير لا تعلوه، وإن علاه طائر فإنما ذلك لمرض به، فهو يستشفي بالبيت، وهذا كله عندي ضعيف، والطير تعاين تعلوه، وقد علته العقاب التي أخذت الحية المشرفة على جداره، وتلك كانت من آياته ومن آياته فيما ذكر الناس قديماً وحديثاً، أنه إذا عمه المطر من جوانبه الأربعة في العام الواحد، أخصبت آفاق الأرض، وإن لم يصب جانباً منه لم يخصب ذلك الأفق الذي يليه ذلك العام، واختلف الناس في ﴿مقام إبراهيم﴾، فقال الجمهور : هو الحجر المعروف، وقال قوم : البيت كله مقام إبراهيم لأنه بناه وقام في جميع أقطاره، وقال قوم من العلماء مكة كلها مقام إبراهيم، وقال قوم : الحرم كله مقام إبراهيم، والضمير في قوله :﴿ومن دخله﴾ عائد على الحرم في قول من قال : مقام إبراهيم هو الحرم، وعائد على البيت في قول الجمهور، إذ لم يتقدم ذكر لغيره، إلا أن المعنى يفهم منه أن من دخل الحرم فهو في الأمن، إذا الحرم جزء من البيت، إذ هو بسببه ولحرمته.
واختلف الناس في معنى قوله ﴿كان آمناً﴾ فقال الحسن وقتادة وعطاء ومجاهد وغيرهم : هذه وصف حال كانت في الجاهلية أن الذي يجر جريرة ثم يدخل الحرم، فإنه كان لا يتناول ولا يطلب فأما في الإسلام وأمن جميع الأقطار، فإن الحرم لا يمنع من حد من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى رجم، ومن قتل قتل، واستحسن كثير ممن قال هذا القول أن يخرج من وجب عليه القتل إلى الحل فيقتل هنالك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من أحدث حدثاً ثم استجار بالبيت فهو آمن، وإن الأمن في الإسلام كما كان في الجاهلية، والإسلام زاد البيت شرفاً وتوقيراً، فلا يعرض أحد بمكة لقاتل وليه، إلا أنه يجب على المسلمين ألا يبايعوا ذلك الجاني ولا يكلموه ولا يؤوه حتى يتبرم فيخرج من الحرم فيقام عليه الحد، وقال بمثل هذا عبيد بن عمير والشعبي وعطاء بن أبي رباح والسدي وغيرهم، إلا أن أكثرهم قالوا هذا فيمن يقتل خارج الحرم ثم يعوذ بالحرم، فأما من يقتل في الحرم، فإنه يقام عليه الحد في الحرم.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه : وإذا تؤمل أمر هذا الذي لا يكلم ولا يبايع، فليس بآمن، وقال يحيى بن جعدة(٣) : معنى الآية ومن دخل البيت كان آمناً من النار، وحكى النقاش عن بعض العباد قال : كنت أطوف حول الكعبة ليلاً فقلت : يا رب إنك قلت :﴿ومن دخله كان آمناً﴾، فمن ماذا هو آمن يا رب ؟ فسمعت مكلماً يكلمني وهو يقول : من النار، فنظرت وتأملت فما كان في المكان أحد.
وقوله تعالى :﴿ولله على الناس حج البيت﴾ الآية، هو فرض الحج في كتاب الله بإجماع، وقال مالك رحمه الله : الحج كله في كتاب الله، فأما الصلاة والزكاة فهي من جملة الذي فسره النبي عليه السلام، والحج من دعائم الإسلام التي بني عليها حسب الحديث(٤)، وشروط وجوبه خمسة، البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، واستطاعة السبيل، والحج في اللغة، القصد لكنه في بيت الله مخصص بأعمال وأقوال، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عصام :«حِج البيت » بكسر الحاء، وقرأ الباقون :«حَج البيت » قالوا غزاة فأرادوا عمل وجه واحد، كما قيل حجة.
قال القاضي : بكسر الحاء يريدون عمل سنة واحدة، ولم يجيئوا به على الأصل لكنه اسم له(٥)، قال أبو علي : قوله لم يجيئوا به على الأصل يريد على الفتح الذي هو الدفعة من الفعل، ولكن كسروه فجعلوه اسماً لهذا المعنى، كما أن غزاة كذلك، ولم تجىء فيه الغزوة وكان القياس.
قال القاضي : وأكثر ما التزم كسر الحاء في قولهم ذو الحِجة، وأما قولهم حجة الوداع ونحوه فإنها على الأصل، وقال الزجّاج وغيره، «الحَج » : بفتح الحاء المصدر، وبكسرها اسم العمل، وقال الطبري : هما لغتان الكسر لغة نجد، والفتح لغة أهل العالية.
وقوله تعالى :﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾، ﴿من﴾ في موضع خفض بدل من ﴿الناس﴾، وهو بدل البعض من الكل وقال الكسائي وغيره : هي شرط في موضع رفع بالابتداء، والجواب محذوف تقديره : من استطاع فعليه الحج، ويدل عليه عطف الشرط الآخر بعده في قوله :﴿ومن كفر﴾، وقال بعض البصريين :﴿من﴾ رفع على أنه فاعل بالمصدر الذي هو ﴿حج البيت﴾ ويكون المصدر مضافاً إلى المفعول، واختلف الناس في حال مستطيع السبيل كيف هي ؟ فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير : هي حال الذي يجد زاداً وراحلة، وروى الطبري عن الحسن من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي(٦) أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية فقال له رجل : يا رسول الله ما السبيل ؟ قال :( الزاد والراحلة ) (٧)، وأسند الطبري إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله ﷺ :«من ملك زاداً وراحلة فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً »(٨)، وروى عبد الرزاق وسفيان عن إبراهيم بن يزيد الخوزي عن محمد بن عباد بن جعفر(٩) عن ابن عمر قال : قام رجل إلى النبي عليه السلام، فقال : ما السبيل ؟ قال : الزاد والراحلة.
قال القاضي : وضعّف قوم هذا الحديث، لأن إبراهيم بن يزيد الخوزي تكلم فيه ابن معين(١٠) وغيره، والحديث مستغن عن طريق إبراهيم، وقال بعض البغداديين، هذا الحديث مشير إلى أن الحج لا يجب مشياً.
قال القاضي : والذي أقول : إن هذا الحديث إنما خرج على الغالب من أحوال الناس وهو البعد عن مكة واستصعاب المشي على القدم كثيراً، فأما القريب الدار فلا يدخل في الحديث، لأن القرب أغناه عن زاد وراحلة، وأما الذي يستطيع المشي من الأقطار البعيدة، فالراحلة عنده بالمعنى والقوة التي وهب، وقد ذكره الله تعالى في قوله :﴿يأتوك رجالاً﴾ [الحج: ٢٧] وكذلك أيضاً معنى الحديث : الزاد والراحلة لمن لم يكن له عذر في بدنه، من مرض أو خوف على أقسامه أو استحقاق بأجرة أو دين وهو يحاول الأداء ويطمع فيه بتصرفه في مال بين يديه، وأما العديم فله أن يحج إذا تكلف واستطاع، فمقصد الحديث : أن يتحدد موضع الوجوب على البعيد الدار، وأما المشاة وأصحاب الأعذار فكثير منهم من يتكلف السفر، وإن كان الحج غير واجب عليه، ثم يؤديه ذلك التكلف إلى موضع يجب فيه الحج عليه، وهذه مبالغة في طلب الأجر ونيله إن شاء الله تعالى، وذهبت فرقة من العلماء إلى قوله تعالى :﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ كلام عام لا يتفسر بزاد وراحلة ولا غير ذلك، بل إذا كان مستطعياً غير شاق على نفسه فقد وجب عليه الحج، قال ذلك ابن الزبير والضحاك، وقال الحسن : من وجد شيئاً يبلغه فقد استطاع إليه سبيلاً، وقال عكرمة : استطاعة السبيل الصحة، وقال ابن عباس : من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل إليه، وقال مالك بن أنس رضي الله عنه، في سماع أشهب من العتبية، وفي كتاب محمد، وقد ق
١ - أبو طالب هو عم النبي وناصره، ولد قبل النبي ﷺ بخمس وثلاثين سنة، ولما حضرت الوفاة عبد المطلب وصّى بالنبي ﷺ إليه فكفله، وأحسن تربيته، وسافر به إلى الشام وهو شاب، ولما بعث النبي ﷺ قام بنصره، وذبّ عنه من عاداه، ومدحه عدة مدائح، توفي في السنة العاشرة من النبوة. "خزانة الأدب: ١/ ٢٦١".
وموطئ إبراهيم عليه السلام هو موضع قدمه في الصخرة التي اعتمد عليها حين أمال رأسه ليغسل فأبقى الله فيها أثر قدمه آية، قال تعالى: [فيه آيات بينات مقام إبراهيم] وقيل: بل هو أثر قدمه حين رفع القواعد من البيت وهو قائم عليه..
٢ - من الآية (٣٥) من سورة إبراهيم..
٣ - يحيى بن جعدة بن هبيرة القرشي المخزومي، روى عن جدته أم هانئ بنت أبي طالب، وعن أبي الدرداء، وزيد بن أرقم، وابن مسعود، وغيرهم، وروى عنه عمرو بن دينار، ومجاهد، وحبيب بن ثابت، وغيرهم، ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب. ١١/١٩٢)..
٤ - يشير إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (بني الإسلام على خمس) والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والإمام أحمد، (الجامع الصغير: ١/٤٢٨)..
٥ - قوله: (ولم يجيئوا... اسم له): هذا تتمة كلام سيبويه..
٦ - إبراهيم بن يزيد الخوزي الأموي أبو إسماعيل المكي، مولى عمر بن عبد العزيز روى عن طاوس وأبي الزبير ومحمد بن عباد وغيرهم.. وروى عنه عبد الرزاق، ووكيع، ومعتمر بن سلمان، وغيرهم، قال البخاري: سكتوا عنه. قال ابن سعد: مات سنة ١٥١. "تهذيب التهذيب" ١/١٧٩..
٧ - أخرجه الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عمر مرفوعا، كما أخرجه الدارقطني بعدة روايات مختلفة. "تفسير الشوكاني ١/٣٣٢"..
٨ - أخرجه الترمذي والبيهقي من رواية الحارث عن علي. "الترغيب والترهيب: ٢/٢١١"..
٩ - محمد بن عباد بن جعفر المخزومي المكي، روى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وغيرهم، وروى عنه ابنه جعفر، والزهدي، والأوزاعي وغيرهم، ثقة، قليل الحديث. "تهذيب التهذيب ٩/٢٤٣"..
١٠ - هو يحيى بن معين الإمام الفرد، سيد الحفاظ أبو زكرياء مولاهم البغدادي، سمع هشيما، وابن المبارك وغيرهما، وروى عنه أحمد، والبخاري، وغيرهما، توفي سنة ٢٣٣هـ "تذكرة الحفاظ: ٢/٢٢٩".
وموطئ إبراهيم عليه السلام هو موضع قدمه في الصخرة التي اعتمد عليها حين أمال رأسه ليغسل فأبقى الله فيها أثر قدمه آية، قال تعالى: [فيه آيات بينات مقام إبراهيم] وقيل: بل هو أثر قدمه حين رفع القواعد من البيت وهو قائم عليه..
٢ - من الآية (٣٥) من سورة إبراهيم..
٣ - يحيى بن جعدة بن هبيرة القرشي المخزومي، روى عن جدته أم هانئ بنت أبي طالب، وعن أبي الدرداء، وزيد بن أرقم، وابن مسعود، وغيرهم، وروى عنه عمرو بن دينار، ومجاهد، وحبيب بن ثابت، وغيرهم، ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب. ١١/١٩٢)..
٤ - يشير إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (بني الإسلام على خمس) والحديث أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والإمام أحمد، (الجامع الصغير: ١/٤٢٨)..
٥ - قوله: (ولم يجيئوا... اسم له): هذا تتمة كلام سيبويه..
٦ - إبراهيم بن يزيد الخوزي الأموي أبو إسماعيل المكي، مولى عمر بن عبد العزيز روى عن طاوس وأبي الزبير ومحمد بن عباد وغيرهم.. وروى عنه عبد الرزاق، ووكيع، ومعتمر بن سلمان، وغيرهم، قال البخاري: سكتوا عنه. قال ابن سعد: مات سنة ١٥١. "تهذيب التهذيب" ١/١٧٩..
٧ - أخرجه الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عمر مرفوعا، كما أخرجه الدارقطني بعدة روايات مختلفة. "تفسير الشوكاني ١/٣٣٢"..
٨ - أخرجه الترمذي والبيهقي من رواية الحارث عن علي. "الترغيب والترهيب: ٢/٢١١"..
٩ - محمد بن عباد بن جعفر المخزومي المكي، روى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عمر، وغيرهم، وروى عنه ابنه جعفر، والزهدي، والأوزاعي وغيرهم، ثقة، قليل الحديث. "تهذيب التهذيب ٩/٢٤٣"..
١٠ - هو يحيى بن معين الإمام الفرد، سيد الحفاظ أبو زكرياء مولاهم البغدادي، سمع هشيما، وابن المبارك وغيرهما، وروى عنه أحمد، والبخاري، وغيرهما، توفي سنة ٢٣٣هـ "تذكرة الحفاظ: ٢/٢٢٩".