مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
أما قوله تعالى :﴿فيه آيات بينات﴾ ففيه قولان الأول : أن المراد ما ذكرناه من الآيات التي فيه وهي : أمن الخائف، وانمحاق الجمار على كثرة الرمي، وامتناع الطير من العلو عليه واستشفاء المريض به وتعجيل العقوبة لمن انتهك فيه حرمة، وإهلاك أصحاب الفيل لما قصدوا تخريبه فعلى هذا تفسير الآيات وبيانها غير مذكور.
وقوله ﴿مقام إبراهيم﴾ لا تعلق له بقوله ﴿فيه ءايات بينات﴾ فكأنه تعالى قال :﴿فيه ءايات بينات﴾ ومع ذلك فهو مقام إبراهيم ومقره والموضع الذي اختاره وعبد الله فيه، لأن كل ذلك من الخلال التي بها يشرف ويعظم.
القول الثاني : أن تفسير الآيات مذكور، وهو قوله ﴿مقام إبراهيم﴾ أي : هي مقام إبراهيم.
فإن قيل : الآيات جماعة ولا يصح تفسيرها بشيء واحد، أجابوا عنه من وجوه الأول : أن مقام إبراهيم بمنزلة آيات كثيرة، لأن ما كان معجزة لرسول الله ﷺ، فهو دليل على وجود الصانع، وعلمه وقدرته وإرادته وحياته، وكونه غنيا منزها مقدسا عن مشابهة المحدثات فمقام إبراهيم وإن كان شيئا واحدا إلا أنه لما حصل فيه هذه الوجوه الكثيرة كان بمنزلة الدلائل كقوله ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا﴾ [النحل: ١٢٠] الثاني : أن مقام إبراهيم اشتمل على الآيات، لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، لأنه لان من الصخرة ما تحت قدميه فقط، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية خاصة لإبراهيم عليه السلام وحفظه مع كثرة أعدائه من اليهود والنصارى والمشركين والملحدين ألوف سنين فثبت أن مقام إبراهيم عليه السلام آيات كثيرة الثالث : قال الزجاج إن قوله ﴿ومن دخله كان ءامنا﴾ من بقية تفسير الآيات، كأنه قيل : فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله، ولفظ الجمع قد يستعمل في الاثنين، قال تعالى :﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤] وقال عليه السلام :« الاثنان فما فوقهما جماعة » ومنهم من تمم الثلاثة فقال : مقام إبراهيم، وأن من دخله كان آمنا، وأن لله على الناس حجه، ثم حذف ( أن ) اختصارا، كما في قوله ﴿قل أمر ربي بالقسط﴾ [الأعراف: ٢٩] أي أمر ربي بأن تقسطوا الرابع : يجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوي ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قيل فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، وكثير سواهما الخامس : قرأ ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة ﴿آية بينة﴾ على التوحيد السادس : قال المبرد ﴿مقام﴾ مصدر فلم يجمع كما قال :﴿وعلى سمعهم﴾ والمراد مقامات إبراهيم، وهي ما أقامه إبراهيم عليه السلام من أمور الحج وأعمال المناسك ولا شك أنها كثيرة وعلى هذا فالمراد بالآيات شعائر الحج كما قال :﴿ومن يعظم شعائر الله﴾ [الحج: ٣٢].
ثم قال تعالى :﴿مقام إبراهيم﴾ وفيه أقوال أحدها : أنه لما ارتفع بنيان الكعبة، وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه والثاني : أنه جاء زائرا من الشام إلى مكة، وكان قد حلف لامرأته أن لا ينزل بمكة حتى يرجع، فلما وصل إلى مكة قالت له أم إسماعيل : انزل حتى نغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على الجانب الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت أحد جانبي رأسه، ثم حولته إلى الجانب الأيسر، حتى غسلت الجانب الآخر، فبقي أثر قدميه عليه والثالث : أنه هو الحجر الذي قام إبراهيم عليه عند الأذان بالحج، قال القفال رحمه الله : ويجوز أن يكون إبراهيم قام على ذلك الحجر في هذه المواضع كلها.
ثم قال تعالى :﴿ومن دخله كان ءامنا﴾ ولهذه الآية نظائر : منها قوله تعالى :﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾ [البقرة: ١٢٥] وقوله ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ [العنكبوت: ٦٧] وقال إبراهيم ﴿رب اجعل هذا بلدا آمنا﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقال تعالى :﴿أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف﴾ [قريش: ٤] قال أبو بكر الرازي : لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾ موجودة في الحرم ثم قال :﴿ومن دخله كان ءامنا﴾ وجب أن يكون مراده جميع الحرم، وأجمعوا على أنه لو قتل في الحرم فإنه يستوفي القصاص منه في الحرم وأجمعوا على أن الحرم لا يفيد الأمان فيما سوى النفس، إنما الخلاف فيما إذا وجب القصاص عليه خارج الحرم فالتجأ إلى الحرم فهل يستوفي منه القصاص في الحرم ؟ قال الشافعي : يستوفي، وقال أبو حنيفة : لا يستوفي، بل يمنع منه الطعام والشراب والبيع والشراء والكلام حتى يخرج، ثم يستوفي منه القصاص، والكلام في هذه المسألة قد تقدم في تفسير قوله ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾ واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بهذه الآية، فقال : ظاهر الآية الإخبار عن كونه آمنا، ولكن لا يمكن حمله عليه إذ قد لا يصير آمنا فيقع الخلف في الخبر، فوجب حمله على الأمر ترك العمل به في الجنايات التي دون النفس، لأن الضرر فيها أخف من الضرر في القتل، وفيما إذا وجب عليه القصاص لجناية أتى بها في الحرم، لأنه هو الذي هتك حرمة الحرم، فيبقى في محل الخلاف على مقتضى ظاهر الآية.
والجواب : أن قوله ﴿كان ءامنا﴾ إثبات لمسمى الأمن، ويكفي في العمل به إثبات الأمن من بعض الوجوه، ونحن نقول به وبيانه من وجوه الأول : أن من دخله للنسك تقربا إلى الله تعالى كان آمنا من النار يوم القيامة، قال النبي عليه السلام :« من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا » وقال أيضا :« من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام » وقال :« من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » والثاني : يحتمل أن يكون المراد ما أودع الله في قلوب الخلق من الشفقة على كل من التجأ إليه ودفع المكروه عنه، ولما كان الأمر واقعا على هذا الوجه في الأكثر أخبر بوقوعه على هذا الوجه مطلقا وهذا أولى مما قالوه لوجهين الأول : أنا على هذا التقدير لا نجعل الخبر قائما مقام الأمر وهم جعلوه قائما مقام الأمر والثاني : أنه تعالى إنما ذكر هذا لبيان فضيلة البيت وذلك إنما يحصل بشيء كان معلوما للقوم حتى يصير ذلك حجة على فضيلة البيت، فأما الحكم الذي بينه الله في شرع محمد عليه السلام فإنه لا يصير ذلك حجة على اليهود والنصارى في إثبات فضيلة الكعبة.
الوجه الثالث : في تأويل الآية : أن المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع النبي ﷺ كان آمنا لأنه تعالى قال :﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين﴾ [الفتح: ٢٧] الرابع : قال الضحاك : من حج حجة كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك.
واعلم أن طرق الكلام في جميع هذه الأجوبة شيء واحد، وهو أن قوله ﴿كان ءامنا﴾ حكم بثبوت الأمن وذلك يكفي في العمل به إثبات الأمن من وجه واحد وفي صورة واحدة فإذا حملناه على بعض هذه الوجوه فقد عملنا بمقتضى هذا النص فلا يبقى للنص دلالة على ما قالوه، ثم يتأكد ذلك بأن حمل النص على هذا الوجه لا يفضي إلى تخصيص النصوص الدالة على وجوب القصاص وحمله على ما قالوه يفضي إلى ذلك فكان قولنا أولى والله أعلم.
قوله تعالى :﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾.
اعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل البيت ومناقبه، أردفه بذكر إيجاب الحج وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿حج البيت﴾ بكسر الحاء والباقون بفتحها، قيل الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد وهما واحد في المعنى، وقيل هما جائزان مطلقا في اللغة، مثل رطل ورطل، وبزر وبزر، وقيل المكسورة اسم للعمل والمفتوحة مصدر، وقال سيبويه : يجوز أن تكون المكسورة أيضا مصدرا، كالذكر والعلم.
المسألة الثانية : في قوله ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ وجوه الأول : قال الزجاج : موضع ﴿من﴾ خفض على البدل من ﴿الناس﴾ والمعنى : ولله على من استطاع من الناس حج البيت الثاني : قال الفراء إن نويت الاستئناف بمن كانت شرطا وأسقط الجزاء لدلالة ما قبله عليه، والتقدير من استطاع إلى الحج سبيلا فلله عليه حج البيت الثالث : قال ابن الأنباري : يجوز أن يكون ﴿من﴾ في موضع رفع على معنى الترجمة للناس، كأنه قيل : من الناس الذين عليهم لله حج البيت ؟ فقيل هم من استطاع إليه سبيلا.
المسألة الثالثة : اتفق الأكثرون على أن الزاد والراحلة شرطان لحصول الاستطاعة، روى جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة، وروى القفال عن جويبر عن الضحاك أنه قال : إذا كان شابا صحيحا ليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه فقال له قائل : أكلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت ؟ فقال : لو كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه ؟ قال : لا بل ينطلق إليه ولو حبوا، قال : فكذلك يجب عليه حج البيت، عن عكرمة أيضا أنه قال : الاستطاعة هي صحة البدن، وإمكان المشي إذا لم يجد ما يركبه.
واعلم أن كل من كان صحيح البدن قادرا على المشي إذا لم يجد ما يركب فإنه يصدق عليه أنه يستطيع لذلك الفعل، فتخصيص هذه الاستطاعة بالزاد والراحلة ترك لظاهر اللفظ فلا بد فيه من دليل منفصل، ولا يمكن التعويل في ذلك على الأخبار المروية في هذا الباب لأنها أخبار آحاد فلا يترك لأجلها ظاهر الكتاب لا سيما وقد طعن محمد بن جرير الطبري في رواة تلك الأخبار، وطعن فيها من وجه آخر، وهو أن حصول الزاد والراحلة لا يكفي في حصول الاستطاعة، فإنه يعتبر في حصول الاستطاعة صحة البدن وعدم الخوف في الطريق، وظاهر هذه الأخبار يقتضي أن لا يكون شيء من ذلك معتبرا، فصارت هذه الأخبار مطعونا فيها من هذا الوجه بل يجب أن يعول في ذلك على ظاهر قوله تعالى :﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] وقوله ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥].
المسألة الرابعة : احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع قالوا لأن ظاهر قوله تعالى :﴿ولله على الناس حج البيت﴾ يعم المؤمن والكافر وعدم الإيمان لا يصلح معارضا ومخصصا لهذا العموم، لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد ﷺ مع أن الإيمان بالله الذي هو شرط صحة الإيمان بمحمد عليه السلام غير حاصل والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة غير حاصل، فلم يكن عدم الشرط مانعا من كونه مكلفا بالمشروط، فكذا ههنا والله أعلم.
المسألة الخامسة : احتج جمهور المعتزلة بهذه الآية على أن الاستطاعة قبل الفعل، فقالوا : لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من لم يحج مستطيعا للحج، ومن لم يكن مستطيعا للحج لا يتناوله التكليف المذكور في هذه الآية فيلزم أن كل من لم يحج أن لا يصير مأمورا بالحج بسبب هذه الآية وذلك باطل بالاتفاق.
أجاب الأصحاب بأن هذا أيضا لازم لهم، وذلك لأن القادر إما أن يصير مأمورا بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل أو بعد حصوله أما قبل حصول الداعي فمحال، لأن قبل حصول الداعي يمتنع حصول الفعل، فيكون التكليف به تكليف ما لا يطاق، وأما بعد حصول الداعي فالفعل يصير واجب الحصول، فلا يكون في التكليف به فائدة، وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف المذكور في هذه الآية على أحد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى