تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٩٧ [ وقوله تعالى ](١) :﴿فيه آيات بينات﴾ يحتمل قوله :﴿فيه آيات بينات﴾ ما لو تأملوا لهداهم، وذلك أن الله جل وعلا خلق هذا البيت بين الجبال في أرض ملساء قليلة الأنزال والريع، لا ماء فيها، ولا شجر، ولا نزهة(٢)، ولا(٣) يرغب الخلق إلى مثله، ثم جعل قلوب الناس تميل، وتهوي إليه أفئدتهم من غير أن كان ﴿فيه آيات بينات﴾ ما ذكر ﴿مقام إبراهيم ومن خله كان آمنا﴾ وتلك آياته، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ومن دخله كان آمنا﴾ ظاهرة في من جنى(٤)، ثم دخل الحرم، أمن، لأن من لم يجن(٥) فهو آمن، أنى دخل إلى(٦) الحرم وغيره. وإنما الآية [ إنما تختص ] (٧) بالآمن إذا دخل دون غيره. وقد روي عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ما يوافق هذا، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ](٨) قال :( إذا أصاب الرجل الحد في الحرم أقيم عليه، وإن أصابه [ في ](٩) غير الحرم، ثم لجأ إليه، لا يحدث، ولا يجالس، ولا يؤاكل، ولا يبايع، حتى يخرج منه، فيؤخذ، فتقام عليه الحدود ) وروي(١٠) عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال :( لو وجدنا قاتل أبينا في الحرم لم نقتله ) وروي عن الحسن، رحمه الله، أنه قال في قوله :﴿ومن دخله كان آمنا﴾ ( كان هذا في الجاهلية، فأما الإسلام فلم يزده إلا شدة : من أصاب الحد في غيره، ثم لجأ إليه، أقيم عليه الحد ) [ وكان ](١١) يقال للحسن : إن الصيد كان يؤمن(١٢) في الجاهلية، ثم الإسلام رفع(١٣) ذلك الأمن، بل كان آمن الصيد في حال الإسلام كهو في حال الجاهلية. فعلى ذلك الأمن الذي كان في الجاهلية هو باق غير زائل في الإسلام.
وأصحابنا، رحمهم الله، يذهبون إلى ما روي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال :( إن الله حرم مكة يوم خلقها، لم تحل لأحد قبلي(١٤)، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار(١٥)، لا يختلى خلاها(١٦)، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يحتش حشيشها ) [ البخاري : ١١٢ و ٢٠٩ ] أخبر رسول الله ﷺ أن مكة بعد الإسلام حرام كما كانت قبله، وأنها لم تحل له [ إلا ](١٧) ساعة من نهار، فإذا كان الملتجئ إليها(١٨) قبل الإسلام [ آمنا ](١٩) فالواجب أن يكون آمنا بعد الإسلام حتى يخرج منها.
وحجة أخرى، وهي(٢٠) أن الله تعالى أباح لرسول الله ﷺ قتل المشركين جميعا، بل فرض ذلك عليه إلا أهل مكة فإنه لم يحل له قتالهم إلا ساعة من نهار، ففضل مكة على غيرها بما خصها به من التحريم، فلا يبعد ألا يقام على من التجأ إليها في الإسلام إذا كانت جنايته أقل من كفر أهلها(٢١).
وفي الفرق [ بين ](٢٢) من قتل فيها وفي غيرها، ثم لجأ إليه، وجه آخر : قال(٢٣) الله تعالى :﴿ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: ١٩١] أباح لهم القتل عند المسجد الحرام إذا قاتلوهم(٢٤). فعلى ذلك يقام الحد إذا أصاب، وهو فيه، وهو في غيره لم يقم كما لم يقاتلوا إذا لم يقاتلوا. وهذا فرق حسن واضح بحمد الله تعالى وعونه.
قال الشيخ، رحمه الله في قوله جل وعلا :﴿ومن دخله كان آمنا﴾ : يحتمل أن يكون خبرا عن(٢٥) الحرم في قديم الدهر أنه كان، [ على ما ](٢٦) بين الخلق من القتال والحرب يأمنون بالحرام إذا التجؤوا إليه، وذلك كقوله :﴿أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم﴾ [العنكبوت: ٦٧] فيكون ذلك من عظيم آيات الله تعالى :{ أن الجاهلية على عظيم(٢٧) ما بدلوا من الأمور، وغيروا من الدين، منعهم الله تعالى عن هذا التغيير حتى بقيت لكل من شهده آية أن الله، له هذا السلطان، وبه قام هذا التدبير العظيم، له العلم بحقائق الأشياء ووضع كل شيء موضعه.
وعلى ذلك قال بعض أهل التأويل في قوله :﴿ليعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض﴾ [المائدة: ٩٧] : قد جعل، جل ثناؤه، ذلك كالمأمن في الشرع والطبع ؛ فأما الشرع فما جاءت الرسل، وأما الطبع فما تنافر الناس حتى سار ذلك إلى الصيد الذي يؤذيه الأخذ وإلى أنواع الأشياء التي قامت بجوهر تلك البقعة من النبات(٢٨) لا بأسباب تكسب، ولهذا كره بيع رياع مكة، ورخص في بيع ما يحدث فيه من البنيان، والله أعلم. ودل قوله :﴿جعلنا﴾ كذا على لزوم ذلك الحق لأنه مذكور بحرف الامتنان والاحتجاج له، ولا يجوز تغيير الذي هذا وصفه، والله أعلم.
ويحتمل ﴿كان﴾ صار ﴿آمنا﴾ أي أوجب له الأمان، ومعلوم أن الذي لم يلزمه القتل كان آمنا دون دخوله، فثبت أن ذلك في من لزمه، وأيد ذلك قوله :﴿ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٩١] فهم قوم قد سبق منهم الكفر وقت شرع القتل بالكفر، لم يأخذهم حق الشرع على ما سبق من الكفر في وقت لم يكن ذلك جزاؤه في الدنيا إلا أن يحدث القتال. فعلى ذلك من لزمه لا فيه فهو يأمن إلا أن يكون أحدث فيه، والله أعلم.
وأصله أنه أضاف الأمان إلى نفسه بقوله :﴿كان آمنا﴾ وكل واحد(٢٩)، يتلف نفسه، فله أمان بالدخول فيه، وكل حد(٣٠)، في إقامته إحياء ما جعلت الحياة [ لئلا يقع ](٣١) مثله، فهو يقام ليكون زجرا له وتكفير [ وحفظا ](٣٢) على بقاء الأمن بقاء(٣٣) نفسه ورده إلى ما يدرأ أنه التجأ إليه للهروب من(٣٤) حكم الله تعالى أو للأمان بالله ليصل إلى إقامة أحكام الله تعالى آمنا، وفي إقامته هذا أيضا، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ فرض الله تعالى الحج بهذه الآية على ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ ولم يبين ما السبيل ؟ بين ذلك رسول الله ﷺ حين سئل عن الاستطاعة، فقال :( الزاد والراحلة ) [ الترمذي ٨١٣ ] وهكذا يقول علماؤنا : إن الاستطاعة والسبيل، هو الزاد والراحلة كما روي عن رسول الله ﷺ وكان بعض الناس، إذا كان بينه وبين الحج بحر، لم يلزمه الحج، فكأنه ذهب إلى ظاهر الآية ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ فجعل(٣٥) البحر وأشباهه مزيلا للاستطاعة، فخالف ما روي عن رسول الله ﷺ لأن رسول الله ﷺ سئل عن الاستطاعة، فقال :( الزاد والراحلة ) لأن النبي ﷺ هو المبين عن الله، فعلينا اتباعه في قوله وفعله وتفسيره الآية، ولكنا نجعل من يحال(٣٦) بينه وبين البيت معذورا في التأخير، ولا يأثم، إن شاء الله، إذا لم يقدر على الوصول إلى البيت بعلة على جعل التأخير في غيرها من العبادات عند الأعذار والعلل، ولا يأثم في ذلك.
ثم في الآية دلالة ألا تلزم المرأة بالحج إلا بالمحرم، لأن المرأة، وإن وجدت الزاد والراحلة، فإنها تحتاج إلى من يركبها، وينزلها، ولا تقدر على ذلك إلا بغيرها، وهكذا العرف فيهن، فإذا كان كذلك جعلها(٣٧) كأنها غير واجدة الراحلة، والله أعلم.
وفيه دلالة : أن العبد إذا حج، ثم أعتق، لزمه حجة الإسلام [ لا لأنه ](٣٨) يملك الزاد والراحلة، فإذا لم يملك الزاد والراحلة يم يجزه(٣٩) ذلك من حجة الإسلام، وكذلك روي عنه ﷺ أنه قال :( أيما عبد حج ولو عشر حجج فعليه إذا أعتق حجة الإسلام ) [ الطبراني في الوسط ٢٧٥٢ ] وليس كالحر الفقير يحج، ثم أيسر، جازه(٤٠) ذلك من حجة الإسلام، ففرقوا بينهما وإن كانا في زوال الحج في الابتداء سواء، وذلك أن الفقير إذا بلغ ذلك المكان صار غنيا، ولزمه الفرض، لأنه لا يحتاج حينئذ إلى زاد وراحلة. وأما العبد إذا حضر ذلك المكان، لم يعتق [ فلا يجزيه ذلك ](٤١) لذلك افترقا.
وفي ذلك حجة أخرى ما جمع أهل العلم أن فقيرا لو حضر القتال ضرب له بسهم كامل كما يضرب لمن كان فرض الجهاد لازما له، ولو أن عبدا شهد الواقعة، وضح له [ أنه ](٤٢) لم يكمل له سهم الحر، فافتراق(٤٣) حال الفقير والعبد في الجهاد والضرب في السهام. فعلى ذلك يفترق حالهما، والله أعلم.
وقال بعض أهل العلم : إن الشيخ الذي لا يستمسك على الراحلة إذا وجد غيره، يلزمه فرض الحج، فما ينكر ممن قال في المراة بمثله، فاحتج بما روي عن ابن عباس رضي الله عنه [ أنه ](٤٤) قال :( جاء رجل إلى رسول الله ﷺ /٦٤-ب/ فقال : يا رسول الله إن أبي شيخ أدركته فريضة الحج، وهو لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، أفيجزي أن أحج عنه ؟ فقال رسول الله ﷺ :( أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه، أكان يقبل منك ؟ قال : نعم، قال : فأنت(٤٥) أولى بحج أبيك ) أو كلام نحوه [ أحمد : ٦/٤٢٩ ] وليس في الخبر أن فريضة الحج [ قد أدركته وهو شيخ ](٤٦)، إنما أدركته فريضة الحج قبل ذلك. فذلك يقول علماؤنا : إن الحج إذا وجب، فأخر أداءه حتى أعسر، ولم يسقط عنه الحج، كذلك إذا وجب عليه الحج، فلم يحج حتى كبر، فصار لا يستمسك على الراحلة عليه أن يوصي ليحج عنه، ويحتمل أيضا أنه رغبة رسول الله ﷺ في الحج عنه متبرعا، إلا أنه ألزمه الحج في ذلك الوقت لأنه(٤٧) يثبت على الراحلة. وعندنا أنه لا يلزمه لأنه لا يستمسك على الراحلة، فلا راحلة له. ثم من قول هذا القائل : إن من لزمه فرض الحج فله التأخير، وفي التأخير فوت(٤٨) أو إدراك المنية، ومن قوله : إنه لو أخر حتى مات يصير فاسقا، يجعل له رخصة التأخير، ثم يفسقه، فكأنه(٤٩) يجعل له الرخصة في الفسق، وذلك(٥٠) قبيح ووحش من القول سمج. وأما عندنا فلا يسع له التأخير في أول أحوال الإمكان على تمام شرط الاختيار كغيره من العبادات التي لزمت من نحو الصلاة والصيام وغيرهما لا يسع التأخير، فعلى ذلك الحج.
ثم من قول الشافعي، رحمه الله : إن على الكافر الحج والصلاة والصيام في حال كفره، فإذا أسلم سقط ذلك عنه، فذلك عندنا لعب وعبث في دين الله تعالى، وتبارك، غير جائز أن يلزمه فرض في حال [ ليس عليه ](٥١) فعله، فإذا جاء سبب الجواز سقط(٥٢) عنه ذلك، وفي الآية أن الحج إنما [ كان ](٥٣) فرضا على المؤمنين خاصة بقوله :﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ فلو كان هو على الكافر كما المسلم لم يكن لقوله معنى، دل أنه غير لازم، والله أمر بالعبادات باسم المؤمنين.
ثم المسألة بيننا وبين المعتزلة في الاستطاعة : قالت المعتزلة : تكون قبل الفعل لأن الله تعالى فرض الحج، وأمر بالخروج إليه إذا قدر على الزاد والراحلة على ما فسره رسول الله ﷺ وإذا لم يقدر لم يلزمه، فدل أنها تتقدم. وأما عندنا فهي على وجهين :
أحدهما : استطاعة الأسباب والأحوال.
والثاني : استطاعة الأفعال.
فأما استطاعة الأحوال والأسباب فيجوز تقدمها من نحو الزاد والراحلة والجوارح السليمة، وأما استطاعة الأفعال فإنها لا تكون إلا مع الفعل لأنها استطاعة الفعل وسببه، فلا تكون إلا معه، والوقت في الحج [ لفعل الحج ](٥٤) لا للإيجاب، لأنه لو كان للإيجاب لكان له ألا يخرج، ولا يأتي ذلك المكان، فيجب عليه الحج، ولأنه لو لم يلزمه إلا بالوقت، ثم لا يتمكن فعله به دون المكان، فيجيء ألا يلزمه إلا بحضور ذلك، فلا يلزمه الخروج أبدا، إذ الحج غير لازم إلا بالوقت، ولأنه ليس على العبد أن يكلف باكتساب إيجاب العبادات، وعليه أن يجه
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ الأرض النزهة القريبة من الريف..
٣ في الأصل وم: مالا..
٤ في الأصل وم: يجني..
٥ من م، في الأصل: يجبن..
٦ في الأصل وم: من..
٧ في الأصل وم: على ما يخص..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ ساقطة من الأصل..
١٠ الواو ساقطة من م..
١١ ساقطة من الأصل وم..
١٢ في الأصل وم: يأمن.
١٣ في الأصل وم: يرفع..
١٤ من م، في الأصل: قبل..
١٥ في م: النهار..
١٦ من م، في الأصل: خلافا..
١٧ من م، ساقطة من الأصل..
١٨ ساقطة من م..
١٩ ساقطة من الأصل وم..
٢٠ في الأصل وم: وهو..
٢١ ادرج بعدها في الأصل وم العبارة التالية: ولم يحل قتالهم غلا ساعة النهار..
٢٢ ساقطة من الأصل وم..
٢٣ من م، في الأصل: حول..
٢٤ في الأصل وم: قتلونا..
٢٥ في الأصل وم: من..
٢٦ من م: في الأصل: عليها..
٢٧ من م، في الأصل: عظم..
٢٨ من م، في الأصل: الثبات..
٢٩ في الأصل وم: حق..
٣٠ في الأصل وم: حق..
٣١ في الأصل وم: ليقع..
٣٢ ساقطة من الأصل وم..
٣٣ في الأصل وم: يقي..
٣٤ في الأصل وم: عن..
٣٥ من م، في الأصل: فعجل..
٣٦ في الأصل وم: يحول..
٣٧ في الأصل وم: جعل..
٣٨ في الأصل وم: لأنه لا..
٣٩..
٤٠ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٤١ ساقطة من الأصل وم..
٤٢ في الأصل وم: و..
٤٣ في الأصل وم: فاقتراق.
٤٤ ساقطة من الأصل وم..
٤٥ في الأصل وم: فالله..
٤٦ ساقطة من الأصل وم..
٤٧ في الأصل وم: لا..
٤٨ من م، في الأصل: قوة..
٤٩ في الأصل وم: فكان..
٥٠ في الأصل وم: فذلك..
٥١ في الأصل وم له..
٥٢ في الأصل وم: يسقط..
٥٣ من م، ساقطة من الأصل..
٥٤ من م، ساقطة من الأصل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى