فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿قُلْ يا أهل الكتاب﴾ خطاب لليهود، والنصارى، والاستفهام في قوله :﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ للإنكار، والتوبيخ. وقوله :﴿والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ جملة حالية مؤكدة للتوبيخ، والإنكار، وهكذا المجيء بصيغة المبالغة في شهيد يفيد مزيد التشديد، والتهويل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال : مرّ شاس بن قيس - وكان شيخاً قد عسى في الجاهلية، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس، والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام. بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً معه من يهود، فقال : اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثم ذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار- وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس، والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، - ففعل فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم، والله رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعاً، وقالوا : قد فعلنا، السلاح السلاح موعدكم الظاهرة - والظاهرة : الحرة - فخرجوا إليها، وانضمت الأوس بعضها إلى بعض، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم، فقال :«يا معشر المسلمين الله الله أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم ؟ بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ؟» فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم لهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا، وعانق الرجال بعضهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس، وما صنع ﴿قُلْ يا أهل أَهْلِ الكتاب لَم تَكْفُرُونَ بآيات الله والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله :﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وأنزل في أوس بن قيظي، وجبار بن صخر، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً منَ الذين أُوتُوا الكتاب﴾ إلى قوله :﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وقد رويت هذه القصة مختصرة، ومطولة من طرق.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله :﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ قال : كانوا إذا سألهم أحد تجدون محمداً ؟ قالوا : لا، قال : فصدوا الناس عنه، وبغوا محمداً عوجاً هلاكاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة : لم تصدون عن الإسلام، وعن نبي الله من آمن بالله، وأنتم شهداء فيما تقرءون من كتاب الله أن محمداً رسول الله، وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، والإنجيل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله :﴿وَمَن يَعْتَصِم بالله﴾ قال : يؤمن به. وأخرجوا عن أبي العالية قال : الاعتصام الثقة بالله.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود في قوله :﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال : أن يطاع، فلا يعصى، ويذكر، فلا ينسى، ويشكر، فلا يكفر.
وقد رواه الحاكم وصححه، وابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعاً بدون قوله : ويشكر، فلا يكفر. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال : حقّ تقاته أن يطاع، فلا يعصى، فلن تستطيعوا، فأنزل الله بعد ذلك :﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] وأخرج عبد بن حميد، عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، نحوه. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال : لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، قال السيوطي بسند صحيح عن ابن مسعود في قوله :﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله﴾ قال : حبل الله القرآن. وقد وردت أحاديث أن كتاب الله هو حبل الله الممدود. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال :﴿واعتصموا بحبل الله﴾ بالإخلاص لله وحده. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال : بطاعته. وأخرج أيضاً، عن قتادة قال : بعهده، وأمره. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد قال : بالإسلام. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله :﴿إِذْ كُنتُم أَعْدَاء﴾ قال : ما كان بين الأوس، والخزرج في شأن عائشة. وأخرج ابن إسحاق قال : كانت الحرب بين الأوس، والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام، فأطفأ الله ذلك، وألف بينهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله :﴿وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ منَ النار﴾ يقول : كنتم على طرف النار، من مات منكم، وقع في النار، فبعث الله محمداً ﷺ، واستنقذكم به من تلك الحفرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى