جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
وقوله : فِيها يُفْرَق كُلّ أمْرٍ حَكِيم اختلف أهل التأويل في هذه الليلة التي يُفرق فيها كلّ أمر حكيم، نحو اختلافهم في الليلة المباركة، وذلك أن الهاء التي في قوله : فِيها عائدة على الليلة المباركة، فقال بعضهم : هي ليلة القدر، يُقْضَى فيها أمر السنة كلها من يموت، ومن يولد، ومن يعزّ، ومن يذل، وسائر أمور السنة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا ربيعة بن كلثوم، قال : كنت عند الحسن، فقال له رجل : يا أبا سعيد، ليلة القدر في كلّ رمضان ؟ قال : إي والله، إنها لفي كلّ رمضان، وإنها الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كلّ أجل وأمل ورزق إلى مثلها.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن علية، قال : حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال : قال رجل للحسن وأنا أسمع : أرأيت ليلة القدر، أفي كل رمضان هي ؟ قال : نعم والله الذي لا إله إلاّ هو، إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يُفرق فيها كل أمر حكيم، يقضي الله كلّ أجل وخلق ورزق إلى مثلها.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال عبد الحميد بن سالم، عن عمر مولى غفرة، قال : يقال : ينسخ لملك الموت من يموت ليلة القدر إلى مثلها، وذلك لأن الله عزّ وجلّ يقول : إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وقال فِيها يُفْرَقُ كُلّ أمْرٍ حَكِيمٍ قال : فتجد الرجل ينكح النساء، ويغرس الغرس واسمه في الأموات.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن سلمة، عن أبي مالك، في قوله : فِيها يُفْرَق كُلّ أمْرٍ حَكِيمٍ قالَ : أمر السنة إلى السنة ما كان من خلق أو رزق أو أجل أو مصيبة، أو نحو هذا.
قال : ثنا سفيان، عن حبيب، عن هلال بن يساف، قال : كان يقال : انتظروا القضاء في شهر رمضان.
حدثنا الفضل بن الصباح، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن في قوله : فِيها يُفْرَقُ كُلّ أمْرٍ حَكِيمٍ قال : يدبر أمر السنة في ليلة القدر.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : فِيها يُفْرَقُ كُلّ أمْرٍ حَكِيمٍ قال : في ليلة القدر كلّ أمر يكون في السنة إلى السنة : الحياة والموت، يقدر فيها المعايش والمصائب كلها.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ليلة القدر فِيها يُفْرَقُ كُلّ أمْرٍ حَكِيمٍ كُنّا نُحدّثُ أنه يُفْرق فيها أمر السنة إلى السنة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال : هي ليلة القدر فيها يُقضى ما يكون من السنة إلى السنة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، قال : سألت مجاهدا، فقلت : أرأيت دعاء أحدنا يقول : اللهمّ إن كان اسمي في السعداء، فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه منهم، واجعله بالسعداء، فقال : حسن، ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر من ذلك، فسألته عن هذا الدعاء، قال : إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ، فِيها يُفْرَقُ كُلّ أمْرٍ حَكِيمٍ قال : يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدّم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء فأما كتاب السعادة والشقاء فهو ثابت لا يغير. وقال آخرون : بل هي ليلة النصف من شعبان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الفضل بن الصباح، والحسن بن عرفة، قالا : حدثنا الحسن بن إسماعيل البجلي، عن محمد بن سوقة، عن عكرمة في قول الله تبارك وتعالى : فِيها يُفْرَقُ كُلّ أمْرٍ حَكِيمٍ قال : في ليلة النصف من شعبان، يبرم فيه أمر السنة، وتنسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد.
حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس، قال : حدثنا أبي، قال : حدثنا الليث، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عثمان بن محمد بن المُغيرة بن الأخنس، قال : قال رسول الله ﷺ :«تُقْطَعُ الآجال مِنْ شَعْبانُ إلى شَعْبانَ حتى إن الرّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَقَدْ خَرَجَ اسمُهُ فِي المَوْتَى ».
حدثني محمد بن معمر، قال : حدثنا أبو هشام، قال حدثنا عبد الواحد، قال : حدثنا عثمان بن حكيم، قال : حدثنا سعيد بن جُبير، قال : قال ابن عباس : إن الرجل ليمشي في الناس وقد رُفع في الأموات، قال : ثم قرأ هذه الآية إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ، فِيها يُفْرَقُ كُلّ أمْرٍ حَكِيم قال : ثم قال : يفرق فيها أمر الدنيا من السنة إلى السنة.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : ذلك ليلة القدر لما قد تقدّم من بياننا عن أن المعنِيّ بقوله : إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ليلة القدر، والهاء في قوله : فِيها من ذكر الليلة المباركة. وعنى بقوله : فِيها يُفْرَقُ كُلّ أمْرٍ حَكِيمٍ في هذه الليلة المباركة يُقْضَى ويُفْصَل كلّ أمر أحكمه الله تعالى في تلك السنة إلى مثلها من السنة الأخرى، ووضع حكيم موضع محكم، كما قال : آلم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الحَكِيمِ يعني : المحكم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى