البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الهجوع : النوم.
والظاهر أن ﴿قليلاً﴾ ظرف، وهو في الأصل صفة، أي كانوا في قليل من الليل.
وجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً، وما زائدة في كلا الإعرابين.
وفسر أنس بن مالك ذلك فقال : كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء، ولا يدل لفظ الآية على الاقتصار على هذا التفسير.
وقال الربيع بن خيثم : كانوا يصيبون من الليل حظاً.
وقال مطرف، ومجاهد، وابن أبي نجيح : قل ليلة أتت عليهم هجوعاً كلها.
وقال الحسن : كابدوا قيام الليل لا ينامون منه إلا قليلاً.
وقال الضحاك :﴿كانوا قليلاً﴾، أي في عددهم، وثم خبر كان، ثم ابتدأ ﴿من الليل ما يهجعون﴾، فما نافية، وقليلاً وقف حسن، وهذا القول فيه تفكيك للكلام، وتقدم معمول العامل المنفي بما على عامله، وذلك لا يجوز عند البصريين، ولو كان ظرفاً أو مجروراً.
وقد أجاز ذلك بعضهم، وجاء في الشعر قوله :
إذا هي قامت حاسراً مشمعلةيحسب الفؤاد رأسها ما تقنع
فقدم رأسها على ما تقنع، وهو منفي بما، وجوزوا أن تكون ما مصدرية في موضع رفع بقليلاً، أي كانوا قليلاً هجوعهم، وهو إعراب سهل حسن، وأن تكون ما موصولة بمعنى الذي، والعائد محذوف تقديره :﴿كانوا قليلاً من الليل﴾ من الوقت الذي يهجعون فيه، وفيه تكلف.
ومن الليل يدل على أنهم مشغولون بالعبادة في أوقات الراحات، وسكون الأنفس من مشاق النهار.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى