جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿فَوَرَبّ السّمَآءِ وَالأرْضِ إِنّهُ لَحَقّ مّثْلَ مَآ أَنّكُمْ تَنطِقُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره مقسما لخلقه بنفسه : فوربّ السماء والأرض، إن الذي قلت لكم أيها الناس : إن في السماء رزقكم وما توعدون لحقّ، كما حقّ أنكم تنطقون. وقد :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، في قوله : فَوَرَبّ السّماءِ والأرْضِ إنّهُ لَحَقّ مِثْلَ ما أنّكُمْ تَنْطِقُونَ قال : بلغني أن رسول الله ﷺ قال :«قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه فلم يصدّقوه » وقال الفرّاء : للجمع بين «ما » و«إنّ » في هذا الموضع وجهان : أحدهما : أن يكون ذلك نظير جمع العرب بين الشيئين من الأسماء والأدوات، كقول الشاعر في الأسماء :
| مِنَ النّفَرِ اللاّئِي الّذِينَ إذَا هُمُ | يَهابُ اللّئامُ حَلْقَةَ الباب قَعْقَعُوا |
| ما إنْ رأيْتُ وَلا سَمِعْتُ بِهِ | كالْيَوْمِ طالِيَ أَيْنُقٍ جُرْبِ |
واختلفت القرّاء في قراءة قوله : مِثْلَ ما أنّكُمْ فقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة والبصرة مِثْلَ ما نصبا بمعنى : إنه لحقّ حقا يقينا كأنهم وجهوها إلى مذهب المصدر. وقد يجوز أن يكون نصبها من أجل أن العرب تنصبها إذا رفعت بها الاسم، فتقول : مثل من عبد الله، وعبد الله مثلك، وأنت مثلُه، ومثلَهُ رفعا ونصبا. وقد يجوز أن يكون نصبها على مذهب المصدر، إنه لحقّ كنطقكم. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة، وبعض أهل البصرة رفعا «مِثْلُ ما أنّكُمْ » على وجه النعت للحقّ.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، متقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.