تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
تفريع على قوله :﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول﴾ إلى قوله :﴿بل هم قوم طاغون﴾ [الذاريات: ٥٢، ٥٣] لمشعر بأنهم بُعَدَاء عن أن تقنعهم الآياتُ والنذر فتوَلَّ عنهم، أي أعرض عن الإِلحاح في جدالهم، فقد كان النبي ﷺ شديد الحرص على إيمانهم ويغتمّ من أجل عنادهم في كفرهم فكان الله يعاود تسليته الفيْنة بعد الفَيْنَة كما قال :﴿لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين﴾ [الشعراء: ٣] ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً﴾ [الكهف: ٦] ﴿ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾ [النحل: ١٢٧]، فالتولي مراد به هذا المعنى، وإلا فإن القرآن جاء بعد أمثال هذه الآية بدعوتهم وجِدالهم غير مرة قال تعالى :﴿فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون﴾ في سورة الصافات ( ١٧٤ ١٧٥ ).
وفرع على أمره بالتولي عنهم إخباره بأنه لا لوم عليه في إعراضهم عنه وصيغ الكلام في صيغة الجملة الاسمية دون : لا نلومك، للدلالة على ثبات مضمون الجملة في النفي.
وجيء بضمير المخاطب مسنداً إليه فقال : فما أنت بملوم } دون أن يقول : فلا ملام عليك، أو نحوه للاهتمام بالتنويه بشأن المخاطب وتعظيمه.
وزيدت الباء في الخبر المنفي لتوكيد نفي أن يكون ملوماً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى