الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿فَأَثَرْنَ﴾ : عَطَفَ الفعلَ على الاسمِ ؛ لأنَّ الاسمَ في تأويل الفعلِ لوقوعِه صلةً ل أل. قال الزمخشري :" معطوفٌ على الفعلِ الذي وُضِعَ اسمُ الفاعلِ موضعَه "، يعني في الأصل، إذ الأصلُ : واللاتي عَدَوْنَ فأَوْرَيْنَ فأغَرْنَ فَأَثَرْنَ.
قوله :﴿بِهِ﴾ : في الهاء أوجهٌ :
أحدُهما : أنها ضميرُ الصُّبح، أي : فَأَثَرْنَ في وقتِ الصُّبح غُباراً. وهذا حَسَنٌّ ؛ لأنه مذكورٌ بالصَّريح.
الثاني : أنه عائدٌ على المكانِ، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ ؛ لأنَّ الإِثارةَ لا بُدَّ لها من مكان، فالسِّياقُ والفعلُ يَدُلاَّن عليه. وفي عبارةِ الزمخشريِّ :" وقيل : الضمير لمكان الغارة "، هذا على تلك اللُّغَيَّةِ، وإلاَّ فالفصيحُ أَنْ يقولَ : الإِغارة.
الثالث : أنَّه ضميرُ العَدْوِ الذي دَلَّ عليه " والعادياتِ ".
وقرأ العامَّةُ بتخفيفِ الثاءِ، مِنْ أثار كذا : إذا نَشَره وفَرَّقه مع ارتفاعٍ. وقرأ أبو حَيْوَةَ وابن أبي عبلة بتشديدها، وخَرَّجه الزمخشريُّ على وجهَيْن : الأولُ بمعنى فأَظْهَرْنَ به غباراً ؛ لأنَّ التأثيرَ فيه معنى الإِظهارِ. والثاني : أنه قَلَبَ " ثَوَّرْنَ " إلى " وَثَّرْنَ " وقَلَبَ الواوَ همزةً. انتهى. قلت : يعني أنَّ الأصلَ : ثَوَّرْنَ، مِنْ ثَوَّر يُثَوِّرُ بالتشديد عَدَّاه بالتضعيف، كما يُعَدَّى بالهمزة في قولِك : أثاره، ثم قَلَبَ الكلمةَ : بأنْ جَعَلَ العينَ -وهي الواوُ - موضعَ الفاء، وهي الثاءُ، فصارت وَثَّرْنَ، ووزنُها حينئذٍ عَفَّلْنَ، ثم قَلَبَ الواوَ همزةً، فصار " أَثَرْنَ " وهذا بعيدٌ جداً. وعلى تقديرِ التسليمِ فَقَلْبُ الواوِ المفتوحةِ همزةً لا يَنْقاس، إنما جاءت منه أُلَيْفاظٌ كأَحَدٍ وأَناةٍ. والنَّقْعُ : الغبار، وأُنْشِد :
يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتطارِ النَّقْعِ داميةًكأنَّ آذانَها أطرافُ أَقْلامِ
وقال ابن رَواحة :
عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْهاتُثير النَّقْعَ مِنْ كَنَفَيْ كَداءِ
وقال أبو عبيد :" النَّقْعُ رَفْعُ الصوتِ "، وأَنْشَد :
فمتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌيُحْلِبُوْها ذاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ
قال الزمخشري :" ويجوزُ أَنْ يُرادَ بالنَّقْع الصياحُ، من قولِه عليه السلام :" ما لم يكن نَقْعٌ ولا لَقْلَقَةٌ " وقولُ لبيد :
فمتى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي : هَيَّجْنَ في المَغارِ عليهم صَباحاً " انتهى. فعلى هذا تكون الباءُ بمعنى " في "، ويعودُ الضمير على المكانِ الذي فيه الإِغارةُ كما تقدَّمَ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى