مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
أما قوله تعالى :﴿فأثرن به نقعا﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : في النقع قولان :( أحدهما ) أنا هو الغبار وقيل : إنه مأخوذ من نقع الصوت إذا ارتفع، فالغبار يسمى نقعا لارتفاعه، وقيل : هو من النقع في الماء، فكأن صاحب الغبار غاص فيه، كما يغوص الرجل في الماء ( والثاني ) : النقع الصباح من قوله عليه الصلاة والسلام :«ما لم يكن نقع ولا لقلقة » أي فهيجن في المغار عليهم صياح النوائح، وارتفعت أصواتهن، ويقال : ثار الغبار والدخان، أي ارتفع وثار القطا عن مفحصه، وأثرن الغبار أي هيجنه، والمعنى أن الخيل أثرن الغبار لشدة العدو في الموضع الذي أغرن فيه.
المسألة الثانية : الضمير في قوله :﴿به﴾ إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه ( أحدها ) : وهو قول الفراء أنه عائد إلى المكان الذي انتهى إليه، والموضع الذي تقع فيه الإغارة، لأن في قوله :﴿فالمغيرات صبحا﴾ دليلا على أن الإغارة لابد لها من وضع، وإذا علم المعنى جاز أن يكنى عما لم يجز ذكره بالتصريح كقوله :﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ( وثانيها ) : إنه عائد إلى ذلك الزمان الذي وقعت فيه الإغارة، أي فأثرن في ذلك الوقت نقعا ( وثالثها ) : وهو قول الكسائي أنه عائد إلى العدو، أي فأثرن بالعدو نقعا، وقد تقدم ذكر العدو في قوله :﴿والعاديات﴾.
المسألة الثالثة : فإن قيل : على أي شيء عطف قوله :﴿فأثرن﴾ قلنا : على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، والتقدير واللائي عدون فأورين، وأغرن فأثرن.
المسألة الرابعة : قرأ أبو حيوة :﴿فأثرن﴾ بالتشديد بمعنى فأظهرن به غبارا، لأن التأثير فيه معنى الإظهار، أو قلب ثورن إلى وثرن وقلب الواو همزة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى