الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿جَمْعاً﴾ من جموع الأعداء. ووسطه بمعنى توسطه. وقيل : الضمير لمكان الغارة. وقيل : للعدوّ الذي دلّ عليه ﴿والعاديات﴾ ويجوز أن يراد بالنقع : الصياح، من قوله عليه الصلاة والسلام :" ما لم يكن نقع ولا لقلقة "، وقول لبيد :
فَمَتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِق ***
أي : فهيجن في المغاز عليهم صياحاً وجلبة. وقرأ أبو حيوة :«فأثرن » بالتشديد، بمعنى : فأظهرن به غباراً ؛ لأنّ التأثير فيه معنى الإظهار. أو قلب ثورّن إلى وثرن، وقلب الواو همزة، وقرىء :«فوسطن » بالتشديد للتعدية. والباء مزيدة للتوكيد، كقوله :﴿وَأُتُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٥] وهي مبالغة في وسطن. وعن ابن عباس : كنت جالساً في الحجر فجاء رجل فسألني عن ﴿والعاديات ضَبْحاً ( ١ )﴾ ففسرتها بالخيل، فذهب إلى عليّ وهو تحت سقاية زمزم، فسأله وذكر له ما قلت : فقال : ادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال : تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأوّل غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلاّ فرسان : فرس الزبير وفرس للمقداد. ﴿العاديات ضَبْحاً ( ١ )﴾ الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى ؛ فإن صحّت الرواية فقد استعير الضبح للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمهر، والثغر للثورة وما أشبه ذلك. وقيل : الضبح لا يكون إلاّ للفرس والكلب والثعلب. وقيل : الضبح بمعنى الضبع، يقال : ضبحت الإبل وضبعت : إذا مدّت أضباعها في السير، وليس بثبت. وجمع : هو المزدلفة.
فإن قلت : علام عطف ( فأثرن ) ؟ قلت : على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه ؛ لأنّ المعنى : واللاتي عدون فأورين، فأغرن، فأثرن.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى