تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
وجملة ﴿قالوا يا قومنا﴾ إلى آخرها مبينة لقوله :﴿منذرين﴾. وحكاية تخاطب الجن بهذا الكلام الذي هو من كلام عربي حكاية بالمعنى إذ لا يعرف أن للجن معرفة بكلام الإنس، وكذلك فعل ﴿قالوا﴾ مجاز عن الإفادة، أي أفادوا جنسهم بما فهموا منه بطرق الاستفادة عندهم معانيَ ما حكي بالقول في هذه الآية كما في قوله تعالى :﴿قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم﴾ [النمل: ١٨]. وابتدأوا إفادتهم بأنهم سمعوا كتاباً تمهيداً للغرض من الموعظة بذكر الكتاب ووصفه ليستشرفَ المخاطبون لما بعد ذلك.
ووصْف الكتاب بأنه ﴿أنزل من بعد موسى﴾ دون : أنزل على محمد ﷺ لأن « التوراة » آخر كتاب من كتب الشرائع نزل قبل القرآن، وأما ما جاء بعده فكتب مكملة للتوراة ومبينة لها مثل « زبور داود » و« إنجيل عيسى »، فكأنه لم ينزل شيء جديد بعد « التوراة » فلما نَزل القرآن جاء بهدي مستقل غير مقصود منه بيان التوراة ولكنه مصدق للتوراة وهادٍ إلى أزيد مما هدت إليه « التوراة ».
و﴿ما بين يديه﴾ : ما سبقه من الأديان الحق. ومعنى ﴿يهدي إلى الحق﴾ : يهدي إلى الاعتقاد الحق ضد الباطل من التوحيد وما يجب لله تعالى من الصفات وما يستحيل وصفه به.
والمراد بالطريق المستقيم : ما يسلك من الأعمال والمعاملة. وما يترتب على ذلك من الجزاء، شبه ذلك بالطريق المستقيم الذي لا يضل سالكه عن القصد من سيره. ويجوز أن يراد ب ﴿الحق﴾ ما يشمل الاعتقاد والأعمال الصالحة ويراد بالطريق المستقيم الدلائل الدالة على الحق وتزييف الباطل فإنها كالصراط المستقيم في إبلاغ متبعها إلى معرفة الحق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى