الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ : تقدَّمَ حُكْمُها. ووقع بعدَها " أَرُوْني " فاحتملت وجهين، أحدُهما : أَنْ تكونَ توكيداً لها لأنَّهما بمعنى أَخْبروني، وعلى هذا يكونُ المفعولُ الثاني ل " أَرَأَيْتُمْ " قولَه :" ماذا خَلَقوا " لأنه استفهامٌ، والمفعولُ الأولُ هو قولُه :" ما تَدْعُون ". والوجه الثاني : أنْ لا تكونَ مؤكِّدةً لها، وعلى هذا تكون المسألةُ من بابِ التنازعِ لأنَّ " أَرَأَيْتُمْ " يطلب ثانياً، و " أرُوْني " كذلك، وقولُه :" ماذا خَلَقوا " هو المتنازَعُ فيه، وتكون المسألةُ من إعمالِ الثاني والحذفِ من الأولِ. وجوَّزَ ابنُ عطية في " أَرَأَيْتُم " أنْ لا يتعدَّى. وجعل " ما تَدْعُوْن " استفهاماً معناه التوبيخُ. قال :" وتَدْعُوْنَ " معناه " تَعْبدون " قلت : وهذا رأيُ الأخفشِ وقد قال بذلك في قولِه :
﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] وقد مضَى ذلك.
قوله :" من الأرض " هذا بيانُ الإِبهامِ الذي في قوله :" ماذا خَلَقُوا ".
قوله :" أَمْ لهم " هذه " أم " المنقطعةُ. والشِّرْكُ : المُشاركة.
قوله :﴿مِّن قَبْلِ هَذَآ﴾ صفةٌ ل " كتاب " أي : بكتابٍ مُنَزَّلٍ من قبل هذا. كذا قَدَّره أبو البقاء. والأحسنُ أَنْ يُقَدَّرَ/ كونٌ مطلقٌ أي : كائِن مِنْ قبلِ هذا.
قوله :" أَو أَثَارَةٍ " العامة على " أَثارة " وهي مصدرٌ على فَعالة كالسَّماحَة والغَواية والضَّلالة، ومعناها البقيةُ مِنْ قولِهم : سَمِنَتِ الناقةُ على أثارةٍ مِنْ لحم، إذا كانت سَمينةً ثم هَزَلَتْ، وبقِيَتْ بقيةٌ مِنْ شَحْمِها ثم سَمِنَتْ. والأثارَةُ غَلَبَ استعمالُها في بقيةِ الشَّرَف. يقال : لفلانٍ أثارةٌ أي : بقيةٌ أشرافٌ، ويُستعمل في غيرِ ذلك. قال الراعي :
وذاتِ أثارَةٍ أكلَتْ عليهانباتاً في أكِمَّتِهِ قِفارا
وقيل : اشتقاقها مِنْ أَثَر كذا أي : أَسْنَدَه. ومنه قول عمر :" ما حَلَفْتُ ذاكراً ولا آثِراً " أي : مُسْنِداً له عن غيري. وقال الأعشى :
٤٠٣٩أ إنَّ الذي فيه تَمارَيْتُمابُيِّنَ للسامعِ والآثِرِ
وقيل فيها غيرُ ذلك. وقرأ عليُّ وابنُ عباس وزيد بن علي وعكرمة في آخرين " أَثَرَة " دونَ ألفٍ، وهي الواحدة. ويُجْمع على أثَر كقَتَرَة وقَتَر. وقرأ الكسائيُّ " أُثْرَة " و " إثْرَة " بضم الهمزة وكسرِها مع سكونِ الثاء. وقتادةُ والسُّلمي بالفتح والسكون. والمعنى : بما يُؤثَرُ ويُرْوى. أي : ايتوني بخبرٍ واحدٍ يَشْهَدُ بصحةِ قولِكم. وهذا على سبيلِ التنزُّلِ للعِلْمِ بكذِبِ المُدَّعي. و " مِنْ عِلْمٍ " صفةٌ لأَثارة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى