المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿قل أرأيتم﴾ يحتمل ﴿أرأيتم﴾ وجهين : أحدهما أن تكون متعدية، و ﴿ما﴾ مفعولة بها، ويحتمل أن تكون منبهة لا تتعدى، وتكون ﴿ما﴾ استفهاماً على معنى التوبيخ. و ﴿تدعون﴾ معناه : تعبدون. قال الفراء : وفي قراءة عبد الله بن مسعود :«قل أرأيتكم من تدعون ». وقوله :﴿من الأرض﴾، ﴿من﴾، للتبعيض، لأن كل ما على وجه الأرض من حيوان ونحوه فهو من الأرض.
ثم وقفهم على السماوات هل لهم فيها شرك، ثم استدعى منهم كتاباً منزلاً قبل القرآن يتضمن عبادة صنم.
وقوله :﴿أو أثارة﴾ معناه : أو بقية قديمة من علم أحد العلماء يقتضي عبادة الأصنام. وقرأ جمهور الناس :«أو أثارة » على المصدر، كالشجاعة والسماحة، وهي البقية من الشيء كأنها أثره.
وقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى من علم تستخرجونه فتثيرونه. وقال مجاهد : المعنى هل من أحد يأثر علماً في ذلك. وقال القرظي : هو الإسناد، ومن هذا المعنى قول الأعشى :[ السريع ]
إن الذي فيه تماريتما. . . بَيِّنٌ للسامع والآثِر(١)
آثراً أي للسند عن غيره، ومنه قول عمر رضي الله عنه : فما خلفنا بها ذاكراً ولا آثراً. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة : المعنى وخاصة من علم، فاشتقاقها من الأثرة، كأنها قد آثر الله بها من هي عنده، وقال عبد الله بن العباس : المراد ب «الأثارة » : الخط في التراب، وذلك شيء كانت العرب تفعله وتتكهن به وتزجر، وهذا من البقية والأثر، وروي أن النبي عليه السلام سئل عن ذلك فقال :«كان نبي من الأنبياء يخطه، فمن وافق خطه فذاك »(٢) وظاهر الحديث تقوية أمر الخط في التراب، وأنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه، وهكذا تأوله كثير من العلماء. وقالت فرقة : بل معناه الإنكار، أي أنه كان من فعل نبي قد ذهب، وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك، ثم قال : فمن وافق خطه على جهة الإبعاد، أي أن ذلك لا يمكن ممن ليس بنبي ميسر لذلك، وهذا كما يسألك أحد فيقول : أيطير الإنسان ؟ فتقول : إنما يطير الطائر، فمن كان له من الناس جناحان طار، أي أن ذلك لا يكون.
والأثارة تستعمل في بقية الشرف فيقال : لبني فلان أثارة من شرف، إذا كانت عندهم شواهد قديمة، وتستعمل في غير ذلك، ومنه قول الراعي :[ الوافر ]
وذات أثارة أكلت عليه. . . نباتاً في أكمتها ففارا(٣)
يريد : الأثارة من الشحم، أي البقية وقرأ عبد الرحمن السلمي فيما حكى الطبري :«أو أَثَرَة » بفتح الهمزة والثاء والراء دون ألف، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وقتادة وعكرمة وعمرو بن ميمون والأعمش، وهي واحدة جمعها : أثر كقترة وقتر(٤). وحكى الثعلبي أن عكرمة قرأ :«أو ميراث من علم ». وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي فيما حكى أبو الفتح بسكون الثاء وهي الفعلة الواحدة مما يؤثر، أي قد قنعت لكم الحجة بخبر واحد أو أثر واحد يشهد بصحة قولكم. وقرأت فرقة :«أُثْرة » بضم الهمزة وسكون الثاء، وهذه كلها بمعنى : هل عندكم شيء خصكم الله به من علم وآثركم به(٥).
ثم وقفهم على السماوات هل لهم فيها شرك، ثم استدعى منهم كتاباً منزلاً قبل القرآن يتضمن عبادة صنم.
وقوله :﴿أو أثارة﴾ معناه : أو بقية قديمة من علم أحد العلماء يقتضي عبادة الأصنام. وقرأ جمهور الناس :«أو أثارة » على المصدر، كالشجاعة والسماحة، وهي البقية من الشيء كأنها أثره.
وقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى من علم تستخرجونه فتثيرونه. وقال مجاهد : المعنى هل من أحد يأثر علماً في ذلك. وقال القرظي : هو الإسناد، ومن هذا المعنى قول الأعشى :[ السريع ]
إن الذي فيه تماريتما. . . بَيِّنٌ للسامع والآثِر(١)
آثراً أي للسند عن غيره، ومنه قول عمر رضي الله عنه : فما خلفنا بها ذاكراً ولا آثراً. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة : المعنى وخاصة من علم، فاشتقاقها من الأثرة، كأنها قد آثر الله بها من هي عنده، وقال عبد الله بن العباس : المراد ب «الأثارة » : الخط في التراب، وذلك شيء كانت العرب تفعله وتتكهن به وتزجر، وهذا من البقية والأثر، وروي أن النبي عليه السلام سئل عن ذلك فقال :«كان نبي من الأنبياء يخطه، فمن وافق خطه فذاك »(٢) وظاهر الحديث تقوية أمر الخط في التراب، وأنه شيء له وجه إذا وفق أحد إليه، وهكذا تأوله كثير من العلماء. وقالت فرقة : بل معناه الإنكار، أي أنه كان من فعل نبي قد ذهب، وذهب الوحي إليه والإلهام في ذلك، ثم قال : فمن وافق خطه على جهة الإبعاد، أي أن ذلك لا يمكن ممن ليس بنبي ميسر لذلك، وهذا كما يسألك أحد فيقول : أيطير الإنسان ؟ فتقول : إنما يطير الطائر، فمن كان له من الناس جناحان طار، أي أن ذلك لا يكون.
والأثارة تستعمل في بقية الشرف فيقال : لبني فلان أثارة من شرف، إذا كانت عندهم شواهد قديمة، وتستعمل في غير ذلك، ومنه قول الراعي :[ الوافر ]
وذات أثارة أكلت عليه. . . نباتاً في أكمتها ففارا(٣)
يريد : الأثارة من الشحم، أي البقية وقرأ عبد الرحمن السلمي فيما حكى الطبري :«أو أَثَرَة » بفتح الهمزة والثاء والراء دون ألف، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وقتادة وعكرمة وعمرو بن ميمون والأعمش، وهي واحدة جمعها : أثر كقترة وقتر(٤). وحكى الثعلبي أن عكرمة قرأ :«أو ميراث من علم ». وقرأ علي بن أبي طالب والسلمي فيما حكى أبو الفتح بسكون الثاء وهي الفعلة الواحدة مما يؤثر، أي قد قنعت لكم الحجة بخبر واحد أو أثر واحد يشهد بصحة قولكم. وقرأت فرقة :«أُثْرة » بضم الهمزة وسكون الثاء، وهذه كلها بمعنى : هل عندكم شيء خصكم الله به من علم وآثركم به(٥).
١ قال الأعشى هذا البيت من قصيدة له يهجو بها علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل في المنافرة التي جرت بينهما، والتي قول في مطلعها:(شاقتك مِن قتلة أطلالها)، وماريته ممارة: جادلته ولاججته، وتماروا معناه المحالبة، كأن كل واحد يحلب ما عند صاحبه، أو يستخرجه منه كما يستخرج اللبن من الشاة بالحلب، والخطاب لعلقمة وعلاثة، ورواية الديوان: تداريتما، وهي من المداراة والمخاتلة، والآثر: ناقل الحديث عن غيره، وهو الشاهد هنا، يقول لهما: إن الذي تجادلتما فيه وتخاصمتما أمر واضح للناس جميعا، للسامعين وللذين يروون الخبر عن غيرهم..
٢ أخرجه عبد بن حميد، وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج سعيد بن منصور من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الخط فقال:(علمه نبي، ومن كان وافقه علم)، قال صفوان: فحدثت به أبا سلمة بن عبد الرحمن فقال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أو أثارة من علم، ونقل القرطبي عن ابن العربي أنه لم يصح، ثم قال تعقيبا على كلام ابن العربي:"هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي، خرجه مسلم.".
٣ قال الراعي هذا البيت من قصيدة يمدح بها سعد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، والبيت في اللسان(أثر)، وقد نسبه للشماخ، قال:"وسمِنت الإبل والناقة على أثارة، أي على عتيق شحم كان قبل ذلك، قال الشماخ:"وذات أثارة... البيت"، فهو في البيت يصف ناقة بالسمن، واستشهد أبو عبيدة بالبيت في مجاز القرآن عند هذه الآية﴿أو أثارة من علم﴾ أي بقية من شحم أكلت عليه، كذلك ذكره القرطبي وأبو حيان في البحر، وأكمة النبات: أغلفته، جمع كمام، وكِمام جمع كِم، أما قوله:(ففارا) فهي رواية اللسان والقرطبي، ومعناها الزيادة والنمو بسرعة، أما رواية الطبري فهي بالقاف (قفارا)، وهي صفة للنبات، أي: رعت الناقة هذا النبات خاليا لها من مزاحمة غيرها في رعيه، وأصله من قولهم:"طعام قفار"، أي طعام بدون إدام. وابن عطية يستشهد بالبيت هنا على أن كلمة "أثارة" تستعمل في معاني أخرى، وقد استعملت هنا في البقية من الشحم..
٤ القتر: جمع قترة، وهي الغبرة، قال تعالى:﴿وجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة﴾..
٥ ذكر البيضاوي في تفسيره ست قراءات هي"أثارة" بفتح الهمزة وكسرها، و"أثرة" بفتح الهمزة والثاء والراء، و"إثرة، أثرة، أُثرة" بسكون الثاء وفتح الهمزة، وبكسرها، وبضمها..
٢ أخرجه عبد بن حميد، وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج سعيد بن منصور من طريق صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، قال: سُئل رسول الله ﷺ عن الخط فقال:(علمه نبي، ومن كان وافقه علم)، قال صفوان: فحدثت به أبا سلمة بن عبد الرحمن فقال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أو أثارة من علم، ونقل القرطبي عن ابن العربي أنه لم يصح، ثم قال تعقيبا على كلام ابن العربي:"هو ثابت من حديث معاوية بن الحكم السلمي، خرجه مسلم.".
٣ قال الراعي هذا البيت من قصيدة يمدح بها سعد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، والبيت في اللسان(أثر)، وقد نسبه للشماخ، قال:"وسمِنت الإبل والناقة على أثارة، أي على عتيق شحم كان قبل ذلك، قال الشماخ:"وذات أثارة... البيت"، فهو في البيت يصف ناقة بالسمن، واستشهد أبو عبيدة بالبيت في مجاز القرآن عند هذه الآية﴿أو أثارة من علم﴾ أي بقية من شحم أكلت عليه، كذلك ذكره القرطبي وأبو حيان في البحر، وأكمة النبات: أغلفته، جمع كمام، وكِمام جمع كِم، أما قوله:(ففارا) فهي رواية اللسان والقرطبي، ومعناها الزيادة والنمو بسرعة، أما رواية الطبري فهي بالقاف (قفارا)، وهي صفة للنبات، أي: رعت الناقة هذا النبات خاليا لها من مزاحمة غيرها في رعيه، وأصله من قولهم:"طعام قفار"، أي طعام بدون إدام. وابن عطية يستشهد بالبيت هنا على أن كلمة "أثارة" تستعمل في معاني أخرى، وقد استعملت هنا في البقية من الشحم..
٤ القتر: جمع قترة، وهي الغبرة، قال تعالى:﴿وجوه يومئذ عليها غبرة، ترهقها قترة﴾..
٥ ذكر البيضاوي في تفسيره ست قراءات هي"أثارة" بفتح الهمزة وكسرها، و"أثرة" بفتح الهمزة والثاء والراء، و"إثرة، أثرة، أُثرة" بسكون الثاء وفتح الهمزة، وبكسرها، وبضمها..