محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب
[ ٦ ] ﴿وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين٦﴾.
﴿وإذا حشر الناس﴾ أي : جمعوا يوم القيامة لموقف الحساب ﴿كانوا﴾ أي : آلهتهم ﴿لهم أعداء﴾ أي : لتبرئتهم منهم. قال الشهاب : أعداء استعارة، أو مجاز مرسل للضارّ. ﴿وكانوا بعبادتهم كافرين﴾ قال ابن جرير :(١) أي وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا، بعبادتهم جاحدين، لأنهم يقولون يوم القيامة : ما أمرناهم بعبادتنا، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرّأنا إليك منهم، يا ربنا ! أي : فالتكذيب بلسان المقال، قصدا إلى بيان أن معبودهم في الحقيقة الشياطين وأهواؤهم.
وقال القاشانيّ : كانوا أعداء، لأن عبادة أهل الدنيا لسادتهم وخدمتهم إياهم، لا تكون إلا لغرض نفساني. وكذا استعباد الموالي لخدمهم. فإذا ارتفعت الأغراض، وزالت العلل والأسباب، كانوا لهم أعداء، وأنكروا عبادتهم. يقولون : ما خدمتمونا، ولكن خدمتم أنفسكم. كما قيل في تفسير قوله :(٢) ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو﴾. انتهى.
وقيل : الضمير في ﴿كانوا﴾ في الموضعين، للعابدين، لئلا يلزم التفكيك. وفيه نظر : لأنه خلاف المتبادر من السياق، إذ هو لبيان حال الآلهة معهم، لا عكسه، ولأن كفرهم / حينئذ إنكار لعبادتهم. وتسميته كفرا، خلاف الظاهر أيضا. وقد أوضح ذلك آية(٣) ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا﴾. والقرآن يفسر بعضه بعضا.
١ انظر الصفحة رقم ٤ من الجزء السادس والعشرين(طبعة الحلبي الثانية(..
٢ [٤٣/ الزخرف/ ٦٧]..
٣ [١٩/ مريم/ ٨١و ٨٢]..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى