تفسير الشعراوي — الشعراوي

عن الكتاب
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ( ١ )﴾
قوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ.. ( ١ )﴾ [ الأحزاب ] نداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمنادى هو الحق سبحانه، رسول الله لقبه، واسمه محمد، واسمه أحمد كما ذكر في القرآن، والإنسان حين يولد يوضع له اسم يدل على مسماه، بحيث إذا أطلقه الواضع انصرف إلى المسمى، والقوم الذين سموا لهم محيط يعرفون فيه، وغيرهم بنفس الأسماء لهم محيط أخر، فمحمد هذا المحيط غير محمد هذا المحيط.
وتعريف الإنسان يكون بالاسم أو بالكنية أو باللقب، فالاسم هو العلم الذي يوضع لمسمى ليعلم به وينادى به، ويميز عن غيره، أما الكنية فاسم صدر بأب أو أم كما نقول : أبو بكر، وأم المؤمنين، فإن سمي به بداية وجعل علما على شخص فهو اسم، وليس كنية، أما اللقب فما أشعر برفعة أو ضعة كما تقول : فلان الشاعر أو الشاطر.. الخ.
فإذا أطلق الاسم الواحد على عدة مسميات، بحيث لا تتميز بعضها عن بعض وجب أن توصف بما يميزها كأسرة مثلا عشقت اسم محمد فسمت كل أولادها ( محمد ) فلا بد أن نقول : محمد الكبير، محمد الصغير، محمد الأوسط.. الخ.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم له اسم وكنية ولقب، أما اسمه فمحمد وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات :
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.. ( ١٤٤ )﴾ [ آل عمران ]
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّه.. ( ٤٠ )﴾ [ الأحزابِ ]
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ.. ( ٢٩ )﴾ [ الفتح ].
﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ... ( ٢ )﴾ [ محمد ].
وورد باسم أحمد في موضع واحد هو :﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ.. ( ٢ )﴾ [ الصف ] وسبق أن تكلمنا في علة هذه التسمية.
أما كنيته : فأبو القاسم. ولقبه : رسول الله.
وهكذا استوفى سيدنا رسول الله العلمية في أوضاعها الثلاثة : الاسم، والكنية، واللقب.
واللقب أيضا الأب أو الأم أو الناس المحيطون بالإنسان إما يدل على الرفعة تفاؤلا بأنه سيكون له شأن، أو يدل على الضعة، وهذه في الغالب تحدث في الأولاد الذين يخاف عليهم العين، فيختارون لهم لقب يدل على الحطة والضعة وما أشبهه ( بالفاسوخة ) يعلقونها على الصغار مخافة العين.
أما لقب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اختاره له ربه عز وجل، وطبيعي أن يأتي لقبه صلى الله عليه وسلم مشعرا برفعة أيما رفعة، فهي ليست عند الخلق فحسب، إنما رفعة عند الخالق، فلما ولد رسول الله أسماه جده بأحب الأسماء عنده. وقال : سميته محمدا ليحمد في الأرض وفي السماء(١).
ولما ولد القاسم كنى به رسول الله فقيل : أبو القاسم، فلما اختاره الله للرسالة وللسفارة بينه تعالى وبين الخلق لقبه برسول الله وبالنبى، وهذان اللقبان على قدر عظيم من الرفعة لو جاءت من البشر، فما بالك وهي من عند الله، فأنت حين تضع المقاييس تضعها على قدر معرفتك وإمكاناتك.
فالرسول صلى الله عليه وسلم رسول الله ونبى الله بمقاييس الله، فهو إذن مشرف عندكم، مشرف عند من أرسله و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ.. ( ١٢٤ )﴾ [ الأنعام ].
فأحب شيء في الإعلام برسول الله أن نقول : محمد، أو أبو القاسم، أو رسول الله، أو النبي، والحق سبحانه حين نادى رسوله صلى الله عليه وسلم لم يناده باسمه أبدا، فلم يقل يا محمد، إنما بقلبه الذي يشعر برفعته عند الحق سبحانه، فقال في ندائه :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ.. ( ٢٥ )﴾ [ الأنفال ]، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ.. ( ٤١ )﴾ [ المائدة ].
ولو تتبعت نداء الله للرسل من لدن آدم عليه السلام لا تجد رسولا نودي بغير اسمه إلا محمد صلى الله عليه وسلم. أما لفظ ( محمد ) فقد ورد في القرآن، لكن في غير النداء، ورد على سبيل الإخبار بأن محمدا رسول الله.
وحتى في الإخبار عنه صلى الله عليه وسلم أخبر الله عنه بلقبه :﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ.. ( ١٢٨ )﴾ [ التوبة ].
وقال :﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ( ٣٠ )﴾ [ الفرقان ].
إذن : في النداء استقل بيا أيها النبي، ويا أيها الرسول، أما في الإخبار فلا بد أن يذكر اسمه ( محمد رسول الله )، وإلا فكيف يعرف أنه رسول الله ؟ فيخبر به أولا اسما ومسمى.
ونودي صلى الله عليه وسلم بيا أيها النبي، ويا أيها الرسول تعظيما له صلى الله عليه وسلم، ونحن حين نريد أن نعظم من ننادي نسبق الاسم بمقدمات، نقول : يا سيدي فلان، يا فضيلة الشيخ، يا صاحب العزة.. الخ.
وقد تقدمت ( أيها ) على المنادى هنا، لأن الاسم المنادى المحلى بأل لا ينادى مباشرة إلا في لفظ الجلالة ( الله ) فنقول : يا الله، فكأن الحق سبحانه توحد حتى في النداء، هذا في نداء المفرد.
والحق سبحانه نادى رسوله بيا أيها النبي، ويا أيها الرسول، الرسول هو السفير بين الله وبين خلقه، ليبلغهم منهجه الذي يريد أن تسير عليه حياتهم فالرسول مبلغ، أما النبي فمرسل أيضا من قبل الحق سبحانه، لكن ليس معه شرع جديد، إنما يسير على شرع من شبقه من الرسل، أما هو فقدوة وأسوة سلوكية لقومه.
ومحمد صلى الله عليه وسلم جمع الأمرين معا، فهو نبي ورسول له خصوصيات أمر بها، ولم يؤمر بتبليغها وهذه المسائل خاصة بالنبوة وله أمور أخرى أمر بها، وأمر بتبليغها.
ومعلوم من أقوال العلماء أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا بالمعنى الاصطلاحي، وإلا فهم جميعا مرسلون من قبل الله.
وكلمة ( النبي ) مأخوذة من النبأ وهو الخبر الهام، فالخبر يكون من البشر للبشر، فإن كان من خالق البشر فهو نبأ أي : أمر عظيم ينبغي الاهتمام به، وأصله من النبوة، وهو الشيء العالي المستدير في وسط شيء مستو.
فحين تقول : رأيت فلانا اليوم، هذا لا يسمى نبأ إنما خبر، لذلك قال سبحانه :﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ( ١ ) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ( ٢ )﴾ [ النبأ ] أي : الخبر الهائل الذي هز الدنيا كلها، وملأ الأسماع، وزلزل العروش.
ثم يقول سبحانه مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿اتَّقِ اللَّهَ( ١ )﴾ [ الأحزاب ] سبق أن قلنا : إن الكلام العربي مقسم إلى خبر وإنشاء، فالخبر نسبة كلامية كانت قبل النطق بها نسبة ذهنية، وبعد النطق بها كلامية، فإن كان لها معنى ومدلول فهي نسبة واقعية، والخبر هو القول الذي يوصف بالصدق إن طابق الواقع، ويوصف بالكذب إن خالف.
أما الإنشاء فهو مقابل الخبر يعني : قول لا يوصف بصدق ولا بكذب، كأن تقول لإنسان : قف، فهذا لا يقال لقائله : صادق، ولا كاذب.
فقوله تعالى لنبيه ﴿اتَّقِ اللَّهَ.. ( ١ )﴾ [ الأحزاب ] هذه نسبة كلامية من الله لرسوله، ليحدث مدلول هذا الأمر، وهو التقوى، ولكن أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غير تقى حتى يأمره ربه بالتقوى ؟
نقول : ليس بالضرورة أن يكون الرسول عصى، فيأمره الله بتقواه، لكن الحق سبحانه ينشئ مع رسوله كلاما بداية دون سابقة عصيان : أو : أنه الأمر الأول بالتقوى كما تقول لولدك في بداية الدراسة : اجتهد وذاكر دروسك، وأنت تعرف أنه مجتهد، لكن لا بد من تقرير المبدأ في بداية الأمر.
ثم إن الحدث يحدث في أزمنة ثلاثة : ماض وحال ومستقبل، فإذا طلب من شخص فعل شيء هو مقيم عليه بالفعل كقوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ( ١٣٦ )﴾ [ النساء ].
فالحق سبحانه يأمرهم بالإيمان، مع أنه وصفهم وخاطبهم بلفظ الإيمان، لأن المعنى : أنتم آمنتم قبل أن أكلمكم، وهذا الإيمان السابق لكلامي ماض، وأنا أريد منكم أن تحدثوا إيمانا جديدا، حالا ومستقبلا، أريد أن تجددوا إيمانكم، وأن تستمروا عليه.
فمعنى :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ.. ( ١ )﴾ [ الأحزاب ] أي : واصل تقواك حالا، كما فعلتها سابقا، وواصلها مستقبلا، فلا تنقطع عنها أبدا.
أو : أن تقوى الله أمر يلصق الإنسان بربه، والله كلف بأشياء، ثم أباح لك من جنس التكليف أشياء، فإذا قال الله لرسوله ﴿اتَّقِ اللَّهَ.. ( ١ )﴾ [ الأحزاب ] فهي غير قوله لنا : اتقوا الله، فالأمر لنا نحن بالتقوى. أي : نفذ ما فرض عليك، أما في حق رسول الله فهي بمعنى : أدخل في مقام الإحسان، وجدده دائما، لأن مراقي القبول من الله لا تنتهي، كما أن كمالات العطاء في الله لا تنتهي.
لذلك قال صلى الله عليه وسلم : " من استوى يوماه فهو مغبون " (٢) أي : من استوى يومه مع أمسه في قربة من الله فهو خاسر، لماذا ؟ لأنه ينبغي للمؤمن أن يزيد في قربه وفي مودته، وعلاقته بالله يوما بعد يوم، لأن نعم الله عليك متوالية تستوجب شكرا متواليا، وحمدا دائما.
كما أن الحق سبحانه لا يكتفي من رسوله بما يكتفي به من سائر الخلق، إذن : فالتقوى بالنسبة لرسول الله غير التقوى بالنسبة لسائر الخلق، التقوى في حق رسول الله مجالها واسع، وللرسول مع الله فيوضات لا تنتهي.
لذلك حين يناديك ربك للصلاة في كل يوم خمس مرات. فاعلم أن فضله عليك غير مكرر، بل فضله متجدد، فعطاؤه لك في الظهر غير عطائه لك في العصر، غير عطائه لك في المغرب، وهكذا تكون التقوى عملا متواصلا ممتدا.
ولذلك يحذرنا أهل الخير أن نداوم مع الله في شيء من الطاعة، ثم نقصر عنها، كذلك يحذرنا أن ننذر لله ما لا نستطيع الوفاء به، لأنك بالنذر تفرض على نفسك الطاعة، فأجمل بك أن تظل في مقام التطوع. إن خفت نفسك للطاعة أدها، وإن قصرت فلا شيء عليك.
وكونك تفرض على نفسك شيئا من الطاعات من جنس ما فرض الله عليك. يعني : أنك أحببت الطاعة وحلت لك العبادة، حتى زدت الله منها، فقلت مثلا : نذرت لله أن أصلي من الركعات كذا، أو أتصدق بكذا، أو أتصدق بكذا من المال، لأنك رأيت في الصلوات الخمس إشراقات وفيوضات من الله فزدت منها.
والحق سبحانه يطلب منا حين ينادينا للصلاة أن نسعى للمسجد، مع أن الأرض كلها مسجد وكلها طهور، لكن المسجد خصص للصلاة، فينبغي أن تؤدى فيه. وأنت في صلاة ما دمت تسعى للصلاة، فمن كان بعيد البيت عن المسجد عليه أن يأتي الصلاة في سكينة ووقار، ولا يخرج عن هذا السمت حتى وإن تأخر عن تكبيرة الإحرام.
وقد ورد في حديث سيدنا رسول الله : " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تشمون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " (٣).
وهناك مطلوب إيمان ومطلوب إحسان : مطلوب الإيمان هو ما فرضه الله عليك، وجاء في الحديث القدسي : " ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه " (٤).
فإن أردت أن تتقرب إلى الله فتقرب إليه بما يحب، ومن جنس ما فرضه عليك، فالله أمرك بصلاة وصيام وزكاة، فإن حلت لك هذه العبادات فزد منها فوق ما فرضه الله عليك، وحين تزيد اعرف أنه مستك نورانية الإشراق في العبادة فقلت : الله يستحق مني فوق ما كلفني، وهذا هو مقام الإحسان.
وس
١ ذكر ابن هشام في السيرة النبوية (١/١٧٠) أن آمنة بنت وهب أو رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تحدث أنها أتيت ـ حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلمـ فقيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع إلى الأرض فقولى: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ثم سمه محمدا..
٢ ذكره الزركشي في "التذكرة في الأحاديث المشتهرة" (ص ١٣٨) بطوله "من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يومه شرا فهو ملعون، ومن لم يكن على الزيادة فهو في النقصان فالموت خير له، ومن اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، وممن أشفق من النار لهى عن الشهوات، ومن ترقب الموت هان عليه اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات" وقال: "أسند صاحب مسند الفردوس (الديلمي) من حديث محمد بن سوقة عن الحارث عن علي مرفوعا وهو إسناد ضعيف"، قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٤/٣٣٥): لا أعلم هذا إلا في منام لعبد العزيز بن أبي رواد قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت: يا رسول الله، أوصني، فقال ذلك بزيارة في آخره رواه البيهقي في الزهد..
٣ أخرجه احمد في مسنده (٢/٢٣٧، ٢٣٩، ٢٧٠)، ومسلم في صحيحه (٦٠٢) كتاب المساجد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٤ جزء من حديث قدسي، أخرجه البخاري في صحيحه (٦٥٠٢)) من حديث أبي هريرة، وأخرجه أحمد في مسنده (٦/٢٥٦) من حديث عائشة، وقد أفاض فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي في شرح هذا الحديث في كتاب "الأحاديث القدسية" (١/٨٧) بتحقيقنا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى