غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
ومعنى ﴿من فوقكم﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان ﴿ومن أسفل منكم﴾ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا : سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمداً. ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء إلا عن العدو فزعاً وروعاً. والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلاً لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة. فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف. .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿اتق الله﴾ من التكوين وكان عليه السلام متقياً من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد ﴿وما جعل أزواجكم أمهاتكم﴾ و ﴿وأدعياءكم أبناءكم﴾ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلاً ولا طبعاً ولا شرعاً ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به﴾ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي ﷺ فإنه النسب الباقي كما قال " كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي " فحسبه الفقر ونسبه النبوة ﴿ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في أرحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم. وبعد النبي ﷺ سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفاً برفق من الإزهاق ﴿وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم﴾ في الأزل ﴿ومنك﴾ يا محمد أولاً بالحبيبية ﴿ومن نوح﴾ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلطنا الميثاق بالتأييد والتوثيق ﴿ليسأل الصادقين﴾ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف. والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أمارته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي ﴿إذ جاءتكم جنود﴾ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها ﴿من فوقكم﴾ وهي الآفات السماوية ﴿ومن أسفل منكم﴾ وهي المتولدات البشرية. أو ﴿من فوقكم﴾ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، ﴿ومن أسفل منكم﴾ هي الدواعي الشهوانية ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً﴾ من نكبات قهرنا ﴿وجنوداً لم تروها﴾ من حفظنا وعصمتنا ﴿وعاهدوا الله من قبل﴾ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعاً لنا والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى