المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿إذ﴾ هذه لا بد من الأولى في قوله :﴿إذ جاءتكم﴾ [الأحزاب: ٩]، وقوله تعالى :﴿من فوقكم﴾ يريد أهل نجد مع عيينة بن حصن، ﴿ومن أسفل منكم﴾ يريد مكة وسائر تهامة، قاله مجاهد وقيل «من فوق وأسفل » هنا إنما يراد به ما يختص ببقعة المدينة، أي نزلت طائفة في أعلى المدينة وطائفة في أسفلها، وهذه عبارة عن الحصر، و ﴿زاغت﴾ معناه مالت عن مواضعها، وذلك فعل الواله الفزع المختبل، وأدغم الأعمش ﴿إذ زاغت﴾ وبين الذال الجمهور وكل حسن، ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ عبارة عما يجده الهلع من ثوران نفسه وتفرقها شعاعاً ويجد كأن حشوته وقلبه يصعد لينفصل، فليس بلوغ القلوب الحناجر حقيقة بالنقلة بل يشير لذلك وتجيش فيستعار لها بلوغ الحناجر، وروى أبو سعيد الخدري أن المؤمنين قالوا يوم الخندق : يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله، قال :«نعم، قولوا : اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا »، فقالوها فضرب الله تعالى وجوه الكفار بالريح فهزمهم(١).
وقوله ﴿وتظنون بالله الظنونا﴾ أي تكادون تضطربون وتقولون ما هذا الخلف للموعد، وهذه عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين لا يمكن للبشر دفعها وأما المنافقون فجلحوا(٢) ونطقوا، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعمش وطلحة «الظنونا » بالألف في الوصل والوقف، وذلك اتباع لخط المصحف، وعلته تعديل رؤوس الآي وطرد هذه العلة أن يلازم الوقف، وقد روي عن أبي عمرو أنه كان لا يصل، فكان لا يوافق خط المصحف وقياس الفواصل، وقرأ أبو عمرو أيضاً وحمزة في الوصل والوقف «الظنون » بغير ألف وهذا هو الأصل، وقرأ ابن كثير والكسائي وعاصم وأبو عمرو بالألف في الوقف وبحذفها في الوصل، وعللوا الوقف بتساوي رؤوس الآي على نحو فعل العرب في القوافي من الزيادة والنقص.
١ أخرجه أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم الله بالريح. الدر المنثور..
٢ جلح في الأمر: ركب رأسه فيه وأقدم ومضى، وفي بعض النساخ:"فعجلوا ونطقوا"، وهي متفقة مع ما في (البحر المحيط)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى