تيسير التفسير — إبراهيم القطان

عن الكتاب
جاءتكم جنود: إلاحزاب، وهم قريش وبنو اسد وغطفان وبنو عامر وبنو سليم ومن إليهود بنو النضير وبنو قريظة. جنود لم تروها: الملائكة. زاغت الأبصار: تحيرت من الدهشة والخوف. بلغت القلوب الحناجر: فزعت فزعاً شديداً كأنها قفزت إلى الحُلُوق من الخوف. ابتلي المؤمنون: اختُبروا وامتحنوا. وزُلزلوا زلزالا شديدا: اضطربوا من الفزَع بشكل رهيب من كثرة العدو. والذين في قلوبهم مرض: ضعفاء الإيمان من المسلمين قريبي العهد بالإسلام. الا غرورا: وعداً باطلا قصد به التغرير بنا. يثرب: من أسماء المدينة، ولها مائة اسم. لا مقام لكم: لا ينبغي لكم الإقامة هنا. ان بيوتنا عورة: يعني مكشوفة للعدو خالية من الرجال المدافعين عنها. من أقطارها: من جوانبها. الفتنة: الردة ومقاتلة المؤمنين. آتوها: أعطوها. وما تلبّثوا بها: ما أقاموا بالمدينة. لا يولّون الأدبار: لا يفرون منهزمين.
نزلت هذه الآيات الى آخر الآية السابعة والعشرين في تفصيل غزوة الأحوزاب، أو غزوة الخندق.
كانت غزوة الأحزاب في شوّال سنة خمسٍ من الهجرة، وكانت نم أخطرِ الحوادث التي واجهها رسول الله والمسلمون، في تقرير مصير الدعوة الإسلامية. وكانت معركةً حاسمة ومحنة ابتُلي المسلمون فيها ابتلاءً لم يبتلوا بمثله.
أما سببها فهو أنه خرج نفرٌ من بني النضير، ونفر من بني وائل من اليهود، فقدِموا على قريش في مكة. وهناك دعوا قريشاً الى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا لهم: أنا سنكون معكم حتى نستأصلَه هو ومن معه. فسرّ ذلك قريشاً، ونشِطوا لما دعوهم اليه. ثم خرج وفد اليهود فجاؤوا غطفان ودعوهم الى حرب المسلمين. وطافوا في القبائل، حتى تمت لهم اتفاقية عسكرية، كانت قريش وغطفان من أهم أعضائها. فحشدت قريش أربعة آلاف مقاتل، وغطفان ستة آلاف. وأُسندت قيادةُ الجيش الى أبي سفيان، وتعهد اليهود ان يدفعوا الى غطفان كل ثمرِ نخلِ خيبرَ لسنة واحدة.
ولما سمع رسول الله وأصحابه عن تجمُّع القبائل مع قريش لقتال المسلمين وزحفهم الى المدينة - تهيأ المسلمون للحرب، وقرروا التحصنّ في المدينة والدفاع عنها. وكان جيش المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل.
وفي هذه الأثناء أشار سلْمان الفارسيّ، رضي الله عنهـ، بحفر الخندق حول المدينة، وكانت هذه خطةً حربية متّبعة عند الفرس، فأمر الرسول الكريم بحفر الخندق في السهل الواقع شماليّ غرب المدينة، وهو الجانب المكشوف الذي يُخاف منه اقتحام العدو. وقد قسم رسول الله الخندقَ بين أصحابه لكل عشرةٍ أربعين ذراعا. وبلغ طول الخندق خمسة آلاف ذراع (نحو أربعة كيلو مترات)، وعمقه من سبعة اذرع إلى عشرة، وعرضهُ من تسعة أذرع الى ما فوقها.
وكان حده الشرقي طرفَ حَرّة واقِم، وحده الغربي وادي بُطْحان حيث طرفُ الحرة الغربية، حرة الوبرة.
وعمل السلمون في حفر الخندق بجدٍّ ونشاط. وكان كلما عَرَضَ لهم مكان صعب فيه صخرة لجأوا إلى الرسول الكريم ﷺ فيأخذ المِعولَ بيده ويضربها حتى تتفتت، حتى أكملوه وتحصنوا وراءه.
وكان بين المسلمين وبني قريظة من اليهود معاهدةٌ، فحملهم حُييّ بن أخطَب، سيدُ بني النضير، على نقض تلك المعاهدة. فنقضوها، وتأهبوا لقتال المسلمين مع المشركين من قريش والعرب. وعظُم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوبُ الحناجر.
وجاء أبو سفيان يقود ذلك الجيشَ الجرار وأحاطوا بالمدينة. وفوجئوا بالخندق، فوقفوا من ورائه، وقفز احد أبطالهم وهو عمرو بن عبد ودٍّ العامري بحاصنه فاجتاز الخندقَ وطلب المبارزة. فبرز له عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقتله. ثم حصل بعضُ التراشق بالسهام، ودام الحصار نحو شهر، اشتد فيه البلاء. واستأذن بعض المنافقين في الذهاب الى المدينة وقالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾. وكان الوقت شتاءً واشتد البرد وهبّت ريح عاتية فقلبت القدور وقوضت الخيام. فقام ابو سفيان وقال: يا معشر قريش، إنكم واللهِ ما صبحتم بدار مقام، وقد أخلفتنا بنو قريظة، وبلغَنا عنهم الذي نَكره، ولَقِينا من شدة الريح ما ترون، فارتحِلوا فإني مرتحِل.
فانطلَقوا، واصبح الصباح فإذا القوم قد ارتحلوا. وانصرف المسلمون ووضعوا السلام وصدق الله العظيم: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾. ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى الله المؤمنين القتال وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً﴾.
ووضعت الحربُ أوزارها، فلم ترجعْ قريش بعدَها الى حرب المسلمين. وقال رسول الله ﷺ: «لن تَغزُوكم قريش بعد عامِكم هذا، ولكنّكم تغزونهم» والقصةُ بطولِها في سيرة ابن هشام وفي صحيح مسلم، وابن كثير.
واستُشهدوا من المسلمين يوم الخندق سبعة، وقُتل من المشركين أربعة.
﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا....﴾.
إنها صورة هائلة مرعبة، فقد جاء ابو سفيان بذلك الجيش الكبير وحاصروا المسلمين من كلّ مكان، وبنو قريظة من ورائهم، فَبَلَغ الخوف أقصاه، وبلغت القلوبُ الحناجر خفقاناً واضطرابا، وظنّ بعضهم بالله ظنونا سيئة.
وكان ذلك اختباراً كبيرا وامتحاناً شديدا للمؤمنين، وأخذ المنافقين والذين في قلوبهم مرضٌ من ضعاف المسلمين يقولون: ما وعدَنا الله ورسولُه من النصر وعلوّ الكلمة إلا وعداً باطلا!
وقالت طائفة من المنافقين كعبد الله بن أُبيّ وأصحابه: يا أهلَ الميدنة، ليس هذا المقام بمقامٍ لكم فارجعوا الى منازلكم، ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ وهم من بني حارثة.
وما كان استئذانهم إلا جبناً وفِراراً من القتال. ثم بين الله وَهْنَ الدينِ وضعفه في قلوبهم فقال:
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً﴾.
ولو دخل عليهم الأحزابُ من جوانب بيوتهم، ثم طلبوا إليه الارتدادَ عن دِينهم وأن يقاتِلوا المؤمنين - لفعلوا ذلك مسرِعينَ من شدة الخوف.
ولقد كانوا عاهدوا الله لا ينهزمون أمام عدوٍّ قط، ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾.
قراءات:
قرأ أبو عمرو ويعقوب وحمزة: الظنون بدون ألف. والباقون: الظنونا بألف بعد النون وقرأ حفص: لا مُقام لكم بضم الميم بمعنى الإقامة. والباقون: لا مَقام لكم بفتح الميم بمعنى الموضع. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: لأتوها من غير مد، والباقون: لآتوها بالمد. يقول الطبري: قرأ بعض المكيين وعامة قراء الكوفة والبصرة لآتوها بمد الألف. وحفص كوفي، فتكون قراءة المصحف الصحيحة لآتوها بالمد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى