البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم تمم وصفهم، فقال :
﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾
يقول الحق جلّ جلاله :﴿يَحْسَبُون﴾ أي : هؤلاء المنافقون ﴿الأحزابَ﴾، يعني : قريشاً وغطفان، الذين تحزّبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي : اجتمعوا، أنهم ﴿لم يذهبوا﴾ ولم ينصرفوا ؛ لشدة جُبنهم، مع أنهم انصرفوا. ﴿وإن يأتِ الأحزابُ﴾ كرة ثانية ؛ ﴿يودُّوا لو أنهم بادون في الأعراب﴾، والبادون : جمع باد، أي : يتمنى المنافقون - لجُبنهم - أنهم خارجون من المدينة إلى البادية، حاصلون بين الأعراب ؛ ليأمنوا على أنفسهم، ويعتزلوا مما فيه الخوف من الحرب، ﴿يسألون﴾ كل قادم منهم من جانب المدينة. وقرئ ﴿يَسَاءلون﴾، بالشد. أي : يتساءلون، بعضهم بعضاً ﴿عن أنبائكم﴾ ؛ عن أخباركم وعما جرى عليكم، ﴿ولو كانوا﴾ أي : هؤلاء المنافقون ﴿فيكم﴾ أي : حاضرون في عسكركم، وَحضَرَ قِتَالٌ، ﴿ما قاتلوا إلا قليلاً﴾ ؛ رياءً وسمعة، ولو كان لله ؛ لكان كثيراً ؛ إذ لا يقل عمل لله.
الإشارة : الجبان يخاف والناس آمنون، والشجاع يأمن والناس خائفون، ولا ينال من طريق القوم شيئاً جبانٌ ولا مستحي ولا متكبر. فمن أوصاف الضعفاء : أنهم، إذا نزلت بالقوم شدة أو محنة - كما امْتُحِنَ الجنيد وأصحابه - يتمنون أنهم خارجون عنهم، وربما خرجوا بالفعل، وإن ذهبت شوكتهم ؛ يحسبون أنهم لم يذهبوا ؛ لشدة جزعهم. ومن أوصافهم : أنهم يكثر سؤالهم عن أخبار القوم، والبحث عما جرى بهم ؛ خوفاً وجزعاً، ولو مضوا معهم لم يغنوا شيئاً. والله تعالى أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى