الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿صَدَقُواْ﴾ :" صَدَقَ " يتعدَّى لاثنين لثانيهما بحرفِ الجرِّ، ويجوز حَذْفُه. ومنه المثل :" صَدَقني سِنَّ بَكْرِهِ " أي في سِنِّ. والآيةُ يجوزُ أَنْ تكونَ مِنْ هذا، والأولُ محذوفٌ أي : صدقوا الله فيما عاهدوا اللَّهَ عليه. ويجوز أَنْ يتعدَّى لواحدٍ كقولك : صَدَقني زيدٌ وكَذَبني عمرو أي : قال لي الصدقَ، وقال لي الكذبَ. ويكون المعاهَدُ عليه مصدوقاً مجازاً. كأنهم قالوا للشيءِ المُعاهَد عليه : لنُوفِيَنَّ بك وقد فعلوا. و " ما " بمعنى الذي ؛ ولذلك عاد عليها الضميرُ في عليه. وقال مكي :" ما " في موضعِ نصبٍ ب صَدَقوا. وهي والفعلُ مصدرٌ تقديرُه : صَدَقوا العهدَ أي : وَفَوْا به " وهذا يَرُدُّه عَوْدُ الضميرِ. إلاَّ أنَّ الأخفشَ وابنَ السراج يذهبان إلى اسميةِ " ما " المصدريةِ.
قوله :" قضى نَحْبَه " النَّحْبُ : ما التزمه الإِنسانُ، واعتقد الوفاءُ به.
قال :
عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثيُّون بعدَماقضى نَحْبَه في مُلْتَقَى القومِ هَوْبَرُ
وقال آخر :
بطَخْفَةَ جالَدْنا الملوكَ وخَيْلُناعَشيَّةَ بِسْطامٍ جَرَيْنَ على نَحْبِ
أي : على أَمْرٍ عظيمٍ ؛ ولهذا يُقال : نَحَبَ فلانٌ أي : نَذَرَ نَذْراً التزمه، ويُعَبَّر به عن الموتِ كقولِهم :" قَضَى أجله " لَمَّا كان الموتُ لا بُدَّ منه جُعِل كالشيءِ الملتَزمِ. والنَّحِيْبُ : البكاءُ معه صَوْتٌ. والنُّحاب : السُّعالُ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى