البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿من المؤمنين رجال صَدَقوا ما عاهدوا اللهَ عليه﴾ أي : صدقوا فيما عاهدوه، فحذف الجار، وأوصل المفعول إلى " ما " ؛ وذلك أن رجالاً من الصحابة نَذَرُوا أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا، وقاتلوا حتى يُسْتَشْهَدُوا، وهم : عثمان بن عفان، وطلحة، وسعيد بن زيد، وحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر، وغيرهم. ﴿فمنهم مَن قضى نَحْبهُ﴾ ؛ نذره ؛ بأن قاتل حتى استشهد ؛ كحمزة، ومصعب، وأنس بن النضر. والنَّحْبُ : النذر، واستعير للموت ؛ لأن كل حي من المحدثات لا بد له أن يموت، فكأنه نذرٌ لازم في رقبته، فإذا مات ؛ فقد قضى نحبه، أي : نذره. وقال في الصحاح : النحب : النذر، ثم قال : والنَّحْبَ : المدة والوقت. يقال : قضى فلان نَحْبَه، إذا مات. ه. فهو لفظ مشترك بين النذر والموت. وصحح ابنُ عطية أن النحب الذي في الآية ليس من شرطه الموت. بل معناه : قَضَى نذره الذي عاهد الله عليه من نصرة الدين، سواء قُتل أو بقي حيًّا. بدليل قوله - عليه الصلاة والسلام - في طلحة :" هذا ممن قَضَى نَحْبَه(١) " ه.
﴿ومنهم مَن ينتظرُ﴾ أي : الموت على الشهادة ؛ كعثمان وطلحة، ﴿وما بدّلوا﴾ ؛ العهد ﴿تبديلا﴾ ؛ ولا غيَّروه، لا المسْتَشْهَد، ولا مَن ينتظر الشهادة. وفيه تعريض بمَن بدّل من أهل النفاق، كقوله تعالى فيما مر :﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ. . .﴾ [الأحزاب: ١٥].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : قد تقدّم ما يتعلق بالاقتداء بالرسول - عليه الصلاة والسلام - والاهتداء بهديه، وأنه منهاج الأكابر. وقوله تعالى :﴿ولَمَّا رأى المؤمنون الأحزاب...﴾ الآية. كذلك الأقوياء من هذه الطائفة، إذا رأوا ما يهولهم ويروعهم زادهم ذلك إيماناً وتسليماً، ويقيناً وطمأنينة، وتحققوا بصحة الطريق ؛ إذ هو منهاج السائرين والأولياء الصادقين، وسنة الأنبياء والمرسَلين. قال تعالى :﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] الآية. وتقدم في إشارتها ما يتعلق بهذا المعنى.
قال بعضهم : نحن كالنجوم، كلما اشتدت الظلمة قَوِيَ نُورُنَا. وقال القشيري : كما أن المنافقين اضطربت عقائدهمُ عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثِقَةٌ، وعلى الأعداء جرأةً، ولحكم الله استسلاماً. وفي الله قوة. ثم قال : قوله تعالى :﴿من المؤمنين رجال صدقوا...﴾ الآية، شَكَرَ صنيعَهم في المِرَاسَ، ومدح يقينهم عند شهود الناس، وسمّاهم رجالاً ؛ إثباتاً لهم بالخصوصية في الرتبة، وتمييزاً لهم من بين أشكالهم بعلوِّ الحال، فمنهم مَنْ خرج من دنياه على صِدْقه، ومنهم مَنْ ينتظر حكم الله في الحياة والممات، وحقيقة الصدق : حفْظُ العهد وترك مجاوزة الحدَّ. ويقال : استواءُ السِّرِّ والجهر. ويقال : هو الثبات عندما يكون الأمر جدًّا.
قوله تعالى :﴿... ليجزي الله الصادقين بصدقهم..﴾ في الدنيا بالتمكين، والنصرة على العدو، وإعلاء الرتبة، وفي الآخرة بجزيل الثواب، وجميل المآب، والخلودِ في النعيم المقيم، والتقدم على الأشكال بالتكريم والتعظيم. وقوله :﴿ويُعذب المنافقين إن شاء﴾ يقال : إذا لم يجَزم بعقوبة المنافق، وتعلَّق القول فيه على الرجاء، فبالحريّ ألا يُخيِّبَ المؤمنَ في رجائه. انتهى كلام القشيري.
﴿ومنهم مَن ينتظرُ﴾ أي : الموت على الشهادة ؛ كعثمان وطلحة، ﴿وما بدّلوا﴾ ؛ العهد ﴿تبديلا﴾ ؛ ولا غيَّروه، لا المسْتَشْهَد، ولا مَن ينتظر الشهادة. وفيه تعريض بمَن بدّل من أهل النفاق، كقوله تعالى فيما مر :﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ. . .﴾ [الأحزاب: ١٥].
قال بعضهم : نحن كالنجوم، كلما اشتدت الظلمة قَوِيَ نُورُنَا. وقال القشيري : كما أن المنافقين اضطربت عقائدهمُ عند رؤية الأعداء، فالمؤمنون وأهل اليقين زادوا ثِقَةٌ، وعلى الأعداء جرأةً، ولحكم الله استسلاماً. وفي الله قوة. ثم قال : قوله تعالى :﴿من المؤمنين رجال صدقوا...﴾ الآية، شَكَرَ صنيعَهم في المِرَاسَ، ومدح يقينهم عند شهود الناس، وسمّاهم رجالاً ؛ إثباتاً لهم بالخصوصية في الرتبة، وتمييزاً لهم من بين أشكالهم بعلوِّ الحال، فمنهم مَنْ خرج من دنياه على صِدْقه، ومنهم مَنْ ينتظر حكم الله في الحياة والممات، وحقيقة الصدق : حفْظُ العهد وترك مجاوزة الحدَّ. ويقال : استواءُ السِّرِّ والجهر. ويقال : هو الثبات عندما يكون الأمر جدًّا.
قوله تعالى :﴿... ليجزي الله الصادقين بصدقهم..﴾ في الدنيا بالتمكين، والنصرة على العدو، وإعلاء الرتبة، وفي الآخرة بجزيل الثواب، وجميل المآب، والخلودِ في النعيم المقيم، والتقدم على الأشكال بالتكريم والتعظيم. وقوله :﴿ويُعذب المنافقين إن شاء﴾ يقال : إذا لم يجَزم بعقوبة المنافق، وتعلَّق القول فيه على الرجاء، فبالحريّ ألا يُخيِّبَ المؤمنَ في رجائه. انتهى كلام القشيري.
١ أخرجه الترمذي في المناقب حديث ٣٧٤٠، وابن ماجه في المقدمة حديث ١٢٦..