التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أضاف - سبحانه إلى هذا المديح لهم، مديحا آخر فقال :﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ والنحب : النذر، وهو أن يلتزم الانسان الوفاء بأمر تعهد به.
وقضاؤه : الفراغ منه، والوفاء به على أكمل وجه.
وكان رجال من الصحابة قد نذروا، أنهم إصا صاحبوا رسول الله ﷺ فى حرب، أن يثبتوا معه، وأن لا يفروا عنه.
والمعنى : من المؤمنين رجال كثيرون، وفوا أكمل وفاء بما عاهدوا الله - تعالى - عليه، من التأييد لرسوله ﷺ ومن الثبات معه فى كل موطن.
﴿فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ﴾ أى : فمنهم من وفى بوعده حتى أدركه أجله فمات شهيدا - كحمزة بن عبد المطلب، ومصعب ابن عمير وغيرهما - رضى الله عنهم أجمعين -.
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ أى : ومنهم من هو مستمر على الوفاء، وينتظر الشهادة فى سبيل الله - تعالى - فى الوقت الذى يريده - سبحانه - ويختاره، كبقية اليالصحابة ن نزلت هذه الآية وهم ما زالو على قيد الحياة.
قال الامام ابن كثير : قال الامام أحمد : حدثنا هاشم من القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال أنس : غاب عمى أنس بن النضر - سُمِّيتُ به - لم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر، فشق عليه وقال : أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، لئن أرانى الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليَريَّن الله ما أصنع. قال : فهاب أن يقول غيرها. فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد.
فاستقبل سعد بن معاذ، فقال له أنس : يا ابا عمرو، أين واهاً لريح الجنة أجده دون أحد.
قال : فقاتلهم حتى قتل : فوُجِدَ فى جسده بضْعُ وثمانون من ضربة وطعنة ورمية فقالت أخته - عمتى الرُّبَيِّع ابنة النضر - فما عرفت أخى إلا ببنانه.
قال : فنزلت هذه الآية :﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ﴾ فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفى أصحابه - رضى الله عنهم، ورواه مسلم والترمذى والنسائى من حديث سليمان بن المغيرة.
وقوله - تعالى - :﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ معطوف على ﴿صَدَقُواْ﴾ أى : هؤلاء الرجال صدقوا صدقا تاما فى عهودهم مع الله - تعالى - حتى آخر لحظة من لحظات حياتهم، وما غيروا ولا بدلوا شيئا مما عاهدوا الله - تعالى - عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى