أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري

عن الكتاب

شرح الكلمات :


﴿ترجى من تشاء منهن﴾ : أي تؤخر من نسائك.
﴿وتؤوي إليك من تشاء﴾ : أي وتضم إليك من نسائك من تشاء فتأتيها.
﴿ومن ابتغيت﴾ : أي طلبت.
﴿ممن عزلت﴾ : أي من القسمة.
﴿فلا جناح عليك﴾ : أي لا حرج عليك في طلبها وضمها إليك خيره ربه في ذلك بعد أن كان القسم واجبا عليه.
﴿ذلك أدنى أن تقر أعينهن﴾ : أي ذلك التخيير لك في إِيواء من تشاء وترك من تشاء اقرب إلى أن تقر أعينهن ولا يحزن.
﴿ويرضين بما آتيتهن﴾ : أي مما أنت مخير فيه من القسم وتركه، والعزل والإيواء.
﴿والله يعلم ما في قلوبكم﴾ : أي من حب النساء -أيها الفحول- والميل إلى بعض دون بعض وإنما خير الله تعالى رسوله تيسيراً عليه لعظم مهامه.
﴿وكان الله عليما حليما﴾ : أي علما بضعف خلقه حليما عليهم لا يعاجل بالعقوبة ويقبل التوبة.

المعنى :


ما زال السياق الكريم في شأن التيسير على رسول الله ﷺ فقد تقدم أنه أُحل له النساء يتزوج من شاء مما ذكر له وخصه بالواهبة نفسها يتزوجها بدون مهر ولا ولي وفي هذه الآية الكريمة ( ٥١ ) ﴿ترجى من تشاء منهن﴾ الآية وسع الله تعالى عليه بأن أذن له في أن يعتزل وطء من يشاء، وأن يرجئ من يشاء، وأن يؤوي إليه ويضم من يشاء وأن يطلب من اعتزلها إن شاء فلا حرج عليه في كل ذلك، ومع هذا فكان يقسم بَيْنَ نسائه، ويقول اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك اللهم إلا ما كان من سودة رضي الله عنها فإنها وهبت ليلتها لعائشة رضي الله عنها. هذا ما دل عليه قوله تعالى :﴿ترجى من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ وقوله ذلك أدنى أي ذلك التخيير لك في شأن نسائك اقرب أن تقر أعينهن أي يفرحن بك، ولا يحزن عليك، ويرضين بما تتفضل به عليهن من إيواء ومباشرة.
وقوله تعالى ﴿والله يعلم ما في قلوبكم﴾ أي أيها الناس من الرغبة في المخاطبة، وميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، وإنما خيَّر الله رسوله هذا التخيير تيسيراً عليه وتخفيفاً لما له من مهام لا يطمع فيها عظماء الرجال ولو كان في القوة والتحمل كالجبال أو الجمال.
وقوله تعالى ﴿وكان الله عليما﴾ أي بخلقه وحاجاتهم. حليماً عيهم لا يعاجل بالعقوبة ويقبل ممن تاب التوبة.
الهداية :من الهداية :
- بيان إكرام الله تعالى لرسوله بالتيسير والتسهيل عليه لكثرة مهامه.
- ما خير الله فيه رسوله لا يصح لأحد من المسلمين اللهم إلا أن يقول الرجل للمرأة كبيرة السن أو المريضة أي فلانة إنى أريد أن أتزوج أحصن نفسي وأنت كما تعلمين عاجزه فإن شئت طلقتك، وإن شئت تنازلت عن ليلتك فإن اختارت البقاء مع التنازل عن حقها في الفراش فلا بأس بذلك.
- في تدبير الله لرسوله وزوجاته من الفوائد والمصالح مالا يقادر قدره.
- تقرير مبدأ ( ما ترك أحد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه ) تجلَّى هذا في اختيار نساء رسول الله ﷺ لله ورسوله والدار الآخرة.
- وجوب مراقبة الله تعالى وعدم التفكير في الخروج عن طاعته بحال من الأحوال.


[ تنبيه هام ]

إذنُ الله تعالى لرسوله ﷺ بالزواج بأكثر من اربع كان لحكم عالية، وكيف والمشرع هو الله العليم الحكيم من تلك الحكم العالية ما يلي :
( ١ ) اقتضاء التشريع الخاص بالنساء ومنه مالا يطلع عليه إلا الزوجان تَعَدُّدَ الزوجات ليروين الأحكام الخاصة بالنساء، ولصحة الرواية وقبولها في الأمة تعدد الطرق وكثرة الرواة والروايات.
( ٢ ) تطلُّب الدعوة الإِسلامية في أيامها الأولى مناصرين لها أقوياء ولا أفضل من أصهار الرجل الداعي فإنهم بحكم العرف يقفون إلى جنب صهرهم محقاً أو مبطلاً كان.
( ٣ ) أن المؤمنين لا أحب إليهم من مصاهرة نبي الله ليظفروا بالدخول عليه في بيته والخلوة به وما أعزها. فأي المؤمنين من لا يرغب أن تكون أمه أو أخته أو بنته أما لكل المؤمنين إني والله لا أحب إليّ من أن أكون أنا وزوجتي وسائر أولادي خدماً في بيت رسول الله ﷺ. فلذا وسع الله على رسوله ليتَّسع على الأقل للأرامل وربات الشرف حتى لا يدنس شرفهن.
( ٤ ) قد يحتاج رسول الله صلى الله عليه سولم إلى مكافأة بعض من أحسن إليه ولم يجد ما يكافئه به ويراه راغباً في مصاهرته فيجيبه لذلك ومن هذا زواجه بكل من عائشة بنت الصديق وحفصة بنت الفاروق رضي الله عنهم أجمعين.
( ٥ ) قد زوجه ربّه بزينب وهو كاره لذلك يتهرب منه خشية قالة الناس وما كانوا يعدونه منكراً وهو التزوج بامرأة الدعي المتبنى بعد طلاقها أو موت زوجها هذه بعض الحكم التي اقتضت الإِذن لرسول الله ﷺ في التزوج أكثر من أربع مع عامل آخر مهم وهو قدرة رسول الله ﷺ على العدل والكفاية الأمر الذي لن يكون لغيره أبدا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى