غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه ﷺ بالنسبة إلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن. والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر. ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت﴾ يعني إذا طلبت من كنت تركتها ﴿فلا جناح عليك﴾ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.
يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب. وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلاّ سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت : لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك. وقيل : أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت. وعن الحسن : وكان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها. ومن قال : إن القسم كان واجباً مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال : المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن ﴿ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى. ثم قال ﴿ذلك﴾ التفويض إلى مشيئتك ﴿أدنى﴾ إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهّن جميعاً لأنه إذا لم يجب عليه القسم. ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه. وفي قوله ﴿والله يعلم ما في قلوبكم﴾ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له ﴿وكان الله عليما﴾ بذات الصدور ﴿حليماً﴾ مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحاً لباب التوبة. وقوله ﴿كلهن﴾ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرئ بالنصب تأكيداً لضمير المفعول في ﴿آتيتهن﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ فمن أحب شيئاً أكثر ذكره. وأهل المحبة هم الأحرار عن رق الكونين والحرّ يكفيه الإشارة ﴿هو الذي يصلي﴾ أي لولا صلاتي عليكم لما وفقتم لذكري كما أنه لولا سابقة محبتي لما هديتم إلى محبتي، فكان في الأزل بالمؤمنين رحيماً فلهذا أخرجهم في الأبد من ظلمة الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿إنا أرسلناك شاهداً﴾ لنا بنعت المحبوبية ﴿ومبشراً﴾ للطالبين برؤية جمالنا ﴿ونذيراً﴾ للطالبين عن كمال حسننا وحسن كمالنا ﴿وداعياً إلى الله بإذنه﴾ لا بطبعك وهواك ﴿وسراجاً منيراً﴾ في أوقات عدم الدعوة، وذلك أن النظر إلى وجه النبي ﷺ كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية. ﴿وفضلاً كبيراً﴾ هو القلب المستنير. ﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ لما اتصفت نفسه بصفات القلب وزال عنها الهوى اتصفت دنياه بصفات الآخرة فحل له في الدنيا ما يحل لغيره في الآخرة ﴿إن الله وملائكته يصلون﴾ صلاة تليق بتلك الحضرة المقدّسة مناسبة لحضرة النبوّة بحيث لا يفهم معناها غيرهما منها الرحمة، ومنها المغفرة الواردة، ومنها الشواهد، ومنها الكشوف، ومنها المشاهدة، ومنها الجذبة، ومنها القربة، ومنها الشرب، ومنها الري، ومنها السكون، ومنها التجلي، ومنها الفناء في الله، ومنها البقاء به، وهكذا لأمته بحسب مراتبهم كقوله
﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾ [البقرة: ١٥٧] ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ هي قبول الفيض الإلهي بلا واسطة ولهذا سمي أمانة لأن الفيض من صفات الحق فلا يتملكه أحد. وقد اختص الإنسان بإصابة رشاش النور الإلهي فكان عرض الفيض عاماً على قلب المخلوقات ولكن كان حمله خاصاً بالإنسان لأن نسبة الإنسان إلى سائر المخلوقات نسبة القلب إلى الشخص، فالروح يتعلق بالقلب ثم يصل فيضه بواسطة العروق والشرايين إلى سائر البدن فيتحرك به وهذا سر الخلافة ﴿إنه كان ظلوماً﴾ لأنه خلق ضعيفاً وحمل قوياً ﴿جهولا﴾ لأنه ظن أنه خلق للمطعم والمشرب والمنكح ولم يعلم أن هذه الصورة قشر وله لب وللبه لب وهو محبوب الله. فبقوّة الظلومية والجهولية حمل الأمانة ثم بروحه المنوّر برشاش الله أدّى الأمانة فصارت الصفتان في حق حامل الأمانة ومؤدي حقها مدحاً، وفي حق الخائنين فيها ذمّاً. ولما لم يكن لروح الملائكة ولغيرهم من المخلوقات راحلة تحملها بالعزة أبين منها وأشفقن. فالمخاطبون إذن على ثلاث طبقات : طبقة يظهر فيها جمال صفة عدله وهم الملك والأجسام العلوية والسفلية سوى الثقلين لم يحملوا الأمانة وتركوا نفعها لضرها، وطبقة يظهر فيها جمال قهره وهم المشركون والمنافقون حملوها طمعاً في نفعها ثم لم يؤدّوا حقها بأن باعوها بالأعراض الفانية، والطبقة الثالثة المؤمنون وهم الذين حملوها طوعاً ورغبة وشوقاً ومحبة وأدّوا حقها بقدر وسعهم. ولكن الحكم لكل جواد كبوة يقع قدم صدقهم في حجر بلاء وابتلاء فيتوب الله عليهم بجذبات العناية وهم مرآة جمال فضله ولطفه الله حسبي ونعم الوكيل وبالله التوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى