الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿ترجي من تشاء منهم﴾ أي : تؤخر يا محمد من تشاء من أزواجك وتضم من تشاء.
يقال : أرجأت الأمر : أخرته ومن ترك الهمزة(١) في " ترجي " فيحتمل أن يكون أبدل من الهمزة ثم أسكنها استثقالا للضمة.
وقيل : هي لغة، يقال : أرجيت بمعنى أرجأت(٢) كما يقال قريت... بمعنى قرأت(٣).
وقال المبرد : هو من رجا يرجو، يقال : رجاء وأرجيته إذا جعلته يرجو(٤).
قال مجاهد في معنى الآية : تعزل يا محمد بغير طلاق من أزواجك من تشاء وتؤوي إليك من تشاء أي تردها إليك(٥).
قال قتادة : جعله الله في حل من ذلك أن يدع من يشاء منهن بغير قسم وكان صلى الله عليه يقسم(٦).
وقال أبو رزين(٧) : لما أشفق النبي ﷺ أن يطلقهن، قلن يا رسول الله : اجعل لنا في مالك ونفسك ما شئت فكان ممن أرجأ منهن سودة بنت زمعة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان ممن أوى عائشة وأم سلمة وحفصة وزينب(٨). فالمعنى على هذا القول أنه صلى الله عليه أخر هؤلاء فلم يقسم لهن ولم يطلقهن، وضم هؤلاء فقسم لهن، وهو قول الضحاك(٩).
وعن ابن عباس أن المعنى من شئت خليت سبيله منهن ومن شئت أمسكت منهن(١٠).
وقال الحسن : المعنى أن النبي ﷺ كان إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبهاحتى يتركها أو يتزوجها(١١).
فالمعنى : اترك نكاح من شئت من أمتك وانكح من شئت.
وقال ابن زيد في ذلك كلاما معناه : إن الله جل ذكره أمر نبيه أن يخير نساءه بين الدنيا والآخرة في قوله :﴿قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا﴾ إلى قوله :﴿أجرا عظيما﴾(١٢) فلما اخترن الآخرة واخترنه أبيح له أن يعزل من شاء منهن فلا يقسم لها، ويضم من شاء فيقسم لها، ومن ابتغى ممن عزل عن نفسه، فله أن يرجع ويقسم لها، فخيرهن أيضا في الرضى بهذا أو يفارقهن فرضين بذلك إلا امرأة بدوية ذهبت(١٣).
فقال الله جل ذكره :﴿ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن﴾ أي : أن يسكن ولا يغرن ويرضين كلهن بما فعلت من ضم أو عزل، إذ ذلك كله من حكم الله لك فيهن، وذلك إشارة إلى ما تقدم مما أباحه الله لرسوله عليه السلام فيهن.
قال قتادة : ومن ابتغيت " أي : لك أن تأتي من شئت منهم لا إثم عليك في ذلك، وهو قول الحسن.
وقال ابن عباس(١٤) : معناه من مات من نسائك اللواتي عندك، أو خليت سبيله فلا إثم عليك في أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك، ولا يحل أن تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئا.
قال الزجاج : معناه إن أردت أن تؤوي إليك من عزلت فلا جناح عليك(١٥).
وهو قول الأول بعينه وهو أحسنها إن شاء الله تعالى.
ثم قال تعالى :﴿والله يعلم ما في قلوبكم﴾ أي : من ميلكم إلى بعض من عندكم النساء دون بعض بالهوى والمحبة فلذلك وضع عن رسول الله ﷺ الحرج في ذلك لأن القلب لا يملك والهوى سلطان غائب عن الإنسان.
ثم قال :﴿وكان/الله عليما﴾ أي : ذا علم بأعمالكم وغيرها. ﴿حليما﴾ أي : ذا حلم عن عباده أن يعاجل أهل الذنوب بالعقوبة.
١ قرأ "ترجى" بالهمز: ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر، وقرأ حمزة والكسائي ونافع وحفص عن عاصم بغير همز. انظر: الحجة لأبي زرعة ٥٧٨ والسبعة لابن مجاهد ٥٢٣.
٢ هو قول ابن السكيت في اللسان مادة "رجا" ١٤/٣١١.
٣ هو قول أبي زيد في اللسان مادة "قرأ" ١٥/١٨٠.
٤ انظر: إعراب النحاس ٣/٣٢١.
٥ انظر: جامع البيان ٢٢/٢٤ وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٢ والدر المنثور ٦/٦٣٥.
٦ انظر: جامع البيان ٢٢/٢٥ وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٢.
٧ هو مسعود بن مالك أبو رزين الأسدي الكوفي مولى أبي وائل، وصفه ابن حجر بأنه "ثقة فاضل" توفي سنة ٨٥ هـ انظر: طبقات ابن سعد ٦/١٨٠ وتقريب التهذيب ٢/٢٤٣، ١٠٦٦.
٨ انظر: جامع البيان ٢٢/٢٥، وأحكام الجصاص ٣/٣٦٧، والجامع للقرطبي ١٤/٢١٥، وأحكام الكيا الهراسي٣/٣٤٨.
٩ انظر: جامع البيان ٢٢/٢٥، وأحكام ابن العربي ٣/١٥٦٥.
١٠ انظر: المصدرين السابقين ٢٢/٢٥، و٣/١٥٦٧ والبحر المحيط ٧/٢٤٣ وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٢ والدر المنثور ٦/٦٣٤.
١١ انظر: المصدرين السابقين ٢٢/٢٥، و٣/١٥٦٧، والبحر المحيط ٧/٢٤٣. وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٢ والدر المنثور ٦/٦٣٤.
١٢ الأحزاب الآيتان: ٢٨ـ٢٩.
١٣ انظر: جامع البيان ٢٢/٢٦ـ٢٧.
١٤ انظر: المصصدر السابق.
١٥ انظر: معاني الزجاج ٤/٢٣٣.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى