جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النّبِيّ إِلاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىَ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النّبِيّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ اللّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوَاْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللّهِ عَظِيماً﴾.
يقول تعالى ذكره لأصحاب رسول الله ﷺ : يا أيها الذين أمنوا بالله ورسوله، لا تدخلوا بيوت نبيّ الله إلا أن تُدْعَوا إلى طعام تطعمونه غَيرَ ناظِرِينَ إناهُ يعني : غير منتظرين إدراكه وبلوغه وهو مصدر من قولهم : قد أنى هذا الشيء يَأنِي إنيً وأنْيا وإنَاءً قال الحُطَيئة :
وآنَيْتُ العَشاءَ إلى سُهَيْلٍأوِ الشّعْرَى فَطالَ بيَ الأَناءُ
وفيه لغة أخرى، يقال : قد إن لك : أي تبين لك إينا، ونال لك، وأنال لك ومنه قول رُؤبة بن العَجاج :
هاجَتْ وَمِثْلِي نَوْلُه أنْ يَرْبَعاحَمامَةٌ ناخَتْ حَماما سُجّعا
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : إلى طَعامٍ غيرَ ناظِرِينَ إناهُ قال : مُتَحَيّنين نُضْجَه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، غيرَ ناظِرِينَ إناهُ يقول : غير ناظرين الطعامَ أن يُصْنَع.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة غيرَ ناظِرِينَ إناهُ قال : غير متحينين طعامه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
ونصب غيرَ في قوله : غَيرَ ناظِرِينَ إناهُ على الحال من الكاف والميم في قوله : إلاّ أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ لأن الكاف والميم معرفة وغير نكرة، وهي من صفة الكاف والميم. وكان بعض نحويّي البصرة يقول : لا يجوز في «غير » الجرّ على الطعام، إلا أن تقول : أنتم، ويقول : ألا ترى أنك لو قلت : أبدى لعبد الله عليّ امرأة مبغضا لها، لم يكن فيه إلا النصب، إلا أن تقول : مبغض لها هو، لأنك إذا أجريت صفته عليها، ولم تظهر الضمير الذي يدلّ على أن الصفة له لم يكن كلاما، لو قلت : هذا رجل مع امرأةٍ مُلازِمِها، كان لحنا، حتى ترفع، فتقول ملازمُها، أو تقول مُلازمِهَا هُو، فتجرّ.
وكان بعض نحويي الكوفة يقول : لو جعلت «غير » في قوله : غَيرَ ناظِرِينَ إناهُ خفضا كان صوابا، لأن قبلها الطعام وهو نكرة، فيجعل فعلهم تابعا للطعام، لرجوع ذكر الطعام في إناه، كما تقول العرب : رأيت زيدا مع امرأةٍ محسنا إليها ومحسنٍ إليها، فمن قال محسنا جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قال : رأيته مع التي يحسن إليها فإذا صارت الصلة للنكرة أتبعتها وإن كانت فعلاً لغير النكرة، كما قال الأعشى :
فَقُلْتُ لَهُ هَذِهِ هاتِهاإلَيْنا بِأَدْماءَ مُقْتادِها
فجعل المقتاد تابعا لإعراب بأدماء، لأنه بمنزلة قولك : بأدماء تقتادها، فخفضه، لأنه صلة لها، قال : ويُنْشَد :«بأدماءِ مقتادِها » بخفض الأدماء لإضافتها إلى المقتاد، قال : ومعناه : هاتها على يدي من اقتادها. وأنشد أيضا :
وَإنّ امْرَأً أهْدَى إلَيْكِ ودُونَهُمِن الأرْضِ مَوْماةٌ وَبَيْداءُ فَيْهَقُ
لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبي لِصَوْتِهِوأنْ تعْلَمي أنّ المُعانَ مُوَفّقُ
وحُكِي عن بعض العرب سَمَاعا يُنْشِد :
أرأيْتِ إذْ أعْطَيْتُكِ الوُدّ كُلّهولمْ يَكُ عِنْدي إنْ أَبَيْتِ إباءُ
أمُسْلِمَتِي للْمَوْتِ أنْتِ فَمَيّتٌوَهَلْ للنّفُوسِ المُسْلِماتِ بَقاءُ
ولم يقل : فميت أنا، وقال الكسائي : سمعت العرب تقول : يدك باسطها، يريدون أنت، وهو كثير في الكلام، قال : فعلى هذا يجوز خفض «غير ».
والصواب من القول في ذلك عندنا، القول بإجازة جرّ «غير » في «غير ناظرين » في الكلام، لا في القراءة، لما ذكرنا من الأبيات التي حكيناها فأما في القراءة فغير جائز في «غير » غير النصب، لإجماع الحجة من القرّاء على نصبها.
وقوله : وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا يقول : ولكن إذا دعاكم رسول الله ﷺ فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله فإذَا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا يقول : فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم لأكله فانتشروا، يعني فتفرّقوا واخرجوا من منزله. وَلا مُسْتأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ فقوله : وَلا مُسْتأْنِسينَ لِحَديثٍ في موضع خفض عطفا به على ناظرين، كما يقال في الكلام : أنت غير ساكت ولا ناطق. وقد يحتمل أن يقال :«مستأنسين » في موضع نصب عطفا على معنى ناظرين، لأن معناه : إلا أن يؤذن لكم إلى طعام لا ناظرين إناه، فيكون قوله : وَلا مُسْتأْنِسِينَ نصبا حينئذ، والعرب تفعل ذلك إذا حالت بين الأوّل والثاني، فتردّ أحيانا على لفظ الأوّل، وأحيانا على معناه، وقد ذكر الفراء أن أبا القمقام أنشده :
أجِدّك لَسْتَ الدّهْرَ رَائيَ رَامَةٍوَلا عاقِلٍ إلاّ وأنْتَ جَنِيبُ
وَلا مُصْعِدٍ فِي المُصْعِدِينَ لَمِنْعِجٍوَلا هابِطا ما عِشْتُ هَضْبَ شَطِيبِ
فردّ «مصعد » على أن «رائي » فيه باء خافضة، إذ حال بينه وبين المصعد مما حال بينهما من الكلام.
ومعنى قوله : وَلا مُسْتأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ : ولا متحدّثين بعد فراغكم من أكل الطعام إيناسا من بعضكم لبعض به، كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَلا مُسْتأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ بعد أن تأكلوا.
واختلف أهل العلم في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه، فقال بعضهم : نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله ﷺ في وليمة زينب بنت جحش، ثم جلسوا يتحدّثون في منزل رسول الله ﷺ، وبرسول الله ﷺ إلى أهله حاجة، فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منزله. ذكر من قال ذلك :
حدثني عمران بن موسى القزاز، قال : حدثنا عبد الوارث، قال : حدثنا عبد العزيز بن صُهَيب، عن أنس بن مالك، قال : بنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، فبعثت داعيا إلى الطعام، فدعوت، فيجيء القوم يأكلون ويخرجون ثم يجيء القوم يأكلون ويخرجون، فقلت : يا نبيّ الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، قال :«ارفعوا طعامكم »، وإن زينب لجالسة في ناحية البيت، وكانت قد أعطيت جمالاً، وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون في البيت، وخرج رسول الله ﷺ منطلقا نحو حجرة عائشة، فقال :«السّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ » فقالوا : وعليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك ؟ قال : فأتى حجر نسائه، فقالوا مثل ما قالت عائشة، فرجع النبيّ ﷺ، فإذا الثلاثة يتحدّثون في البيت، وكان النبيّ ﷺ شديد الحياء، فخرج النبيّ ﷺ منطلقا نحو حجرة عائشة، فلا أدري أَخبرَتْه، أو أُخبر أن الرهط قد خرجوا، فرجع حتى وضع رجله في أُسكفّة داخل البيت، والأخرى خارجه، إذ أرخى الستر بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب.
حدثني أبو معاوية بشر بن دحية، قال : حدثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أنس بن مالك، قال : سألني أبيّ بن كعب عن الحجاب، فقلت : أنا أعلم الناس به، نزلت في شأن زينب أولم النبيّ ﷺ عليها بتمر وسويق، فنزلت : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النّبِيّ إلاّ أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى قوله : ذَلِكُمْ أطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ.
حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال : ثني عمي، قال : أخبرني يونس، عن الزهريّ، قال : أخبرني أنس بن مالك أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله ﷺ إلى المدينة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل في مبتني رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش أصبح رسول الله ﷺ بها عروسا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام حتى خرجوا، وبقي منهم رهط عند رسول الله ﷺ فأطالوا المكث، فقام رسول الله ﷺ وخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى رسول الله ﷺ ومشيت معه، حتى جاء عتبة حجرة عائشة زوج النبيّ ﷺ، ثم ظنّ رسول الله ﷺ أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع رسول الله ﷺ ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب بيني وبينه سترا، وأنزل الحجاب.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال : دعوت المسلمين إلى وليمة رسول الله ﷺ، صبيحة بنى بزينب بنت جحش، فأوسعهم خبزا ولحما، ثم رجع كما كان يصنع، فأتى حجر نسائه فسلم عليهنّ، فدعون له، ورجع إلى بيته وأنا معه فلما انتهينا إلى الباب إذا رجلان قد جرى بهما الحديث في ناحية البيت، فلما أبصرهما ولى راجعا فلما رأيا النبيّ ﷺ ولّى عن بيته، ولّيا مُسْرِعين، فلا أدري أنا أخبرته، أو أُخبر فرجع إلى بيته، فأرخى الستر بيني وبينه، ونزلت آية الحجاب.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال : قال عمر بن الخطاب : قلت لرسول الله ﷺ : لو حجبت عن أمهات المؤمنين، فإنه يدخل عليك البرّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب.
حدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال : حدثنا سليمان بن حرب، قال : حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال : أنا أعلم الناس بهذه الاَية، آية الحجاب لما أُهديت زينب إلى رسول الله ﷺ صنع طعاما، ودعا القوم، فجاؤوا فدخلوا وزينب مع رسول الله ﷺ في البيت، وجعلوا يتحدّثون، وجعل رسول الله ﷺ يخرج ثم يدخل وهم قعود، قال : فنزلت هذه الاَية : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النّبِيّ. . . . إلى : فاسأَلُوهُنّ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ قال : فقام القوم وضرب الحجاب.
حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال : حدثنا أبي، عن بيان، عن أنس بن مالك، قال : بنى رسول الله ﷺ بامرأة من نسائه، فأرسلني، فدعوت قوما إلى الطعام فلما أكلوا وخرجوا، قام رسول الله ﷺ منطلقا قِبَلَ بيت عائشة، فرأى رجلين جالسين، فا

تفسير هذه الآية من كتب أخرى