جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره لأصحاب رسول الله ﷺ : يا أيها الذين أمنوا بالله ورسوله، لا تدخلوا بيوت نبيّ الله إلا أن تُدْعَوا إلى طعام تطعمونه غَيرَ ناظِرِينَ إناهُ يعني : غير منتظرين إدراكه وبلوغه وهو مصدر من قولهم : قد أنى هذا الشيء يَأنِي إنيً وأنْيا وإنَاءً قال الحُطَيئة :
| وآنَيْتُ العَشاءَ إلى سُهَيْلٍ | أوِ الشّعْرَى فَطالَ بيَ الأَناءُ |
| هاجَتْ وَمِثْلِي نَوْلُه أنْ يَرْبَعا | حَمامَةٌ ناخَتْ حَماما سُجّعا |
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : إلى طَعامٍ غيرَ ناظِرِينَ إناهُ قال : مُتَحَيّنين نُضْجَه.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، غيرَ ناظِرِينَ إناهُ يقول : غير ناظرين الطعامَ أن يُصْنَع.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة غيرَ ناظِرِينَ إناهُ قال : غير متحينين طعامه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
ونصب غيرَ في قوله : غَيرَ ناظِرِينَ إناهُ على الحال من الكاف والميم في قوله : إلاّ أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ لأن الكاف والميم معرفة وغير نكرة، وهي من صفة الكاف والميم. وكان بعض نحويّي البصرة يقول : لا يجوز في «غير » الجرّ على الطعام، إلا أن تقول : أنتم، ويقول : ألا ترى أنك لو قلت : أبدى لعبد الله عليّ امرأة مبغضا لها، لم يكن فيه إلا النصب، إلا أن تقول : مبغض لها هو، لأنك إذا أجريت صفته عليها، ولم تظهر الضمير الذي يدلّ على أن الصفة له لم يكن كلاما، لو قلت : هذا رجل مع امرأةٍ مُلازِمِها، كان لحنا، حتى ترفع، فتقول ملازمُها، أو تقول مُلازمِهَا هُو، فتجرّ.
وكان بعض نحويي الكوفة يقول : لو جعلت «غير » في قوله : غَيرَ ناظِرِينَ إناهُ خفضا كان صوابا، لأن قبلها الطعام وهو نكرة، فيجعل فعلهم تابعا للطعام، لرجوع ذكر الطعام في إناه، كما تقول العرب : رأيت زيدا مع امرأةٍ محسنا إليها ومحسنٍ إليها، فمن قال محسنا جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قال : رأيته مع التي يحسن إليها فإذا صارت الصلة للنكرة أتبعتها وإن كانت فعلاً لغير النكرة، كما قال الأعشى :
| فَقُلْتُ لَهُ هَذِهِ هاتِها | إلَيْنا بِأَدْماءَ مُقْتادِها |
| وَإنّ امْرَأً أهْدَى إلَيْكِ ودُونَهُ | مِن الأرْضِ مَوْماةٌ وَبَيْداءُ فَيْهَقُ |
| لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبي لِصَوْتِهِ | وأنْ تعْلَمي أنّ المُعانَ مُوَفّقُ |
| أرأيْتِ إذْ أعْطَيْتُكِ الوُدّ كُلّه | ولمْ يَكُ عِنْدي إنْ أَبَيْتِ إباءُ |
| أمُسْلِمَتِي للْمَوْتِ أنْتِ فَمَيّتٌ | وَهَلْ للنّفُوسِ المُسْلِماتِ بَقاءُ |
والصواب من القول في ذلك عندنا، القول بإجازة جرّ «غير » في «غير ناظرين » في الكلام، لا في القراءة، لما ذكرنا من الأبيات التي حكيناها فأما في القراءة فغير جائز في «غير » غير النصب، لإجماع الحجة من القرّاء على نصبها.
وقوله : وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا يقول : ولكن إذا دعاكم رسول الله ﷺ فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله فإذَا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا يقول : فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم لأكله فانتشروا، يعني فتفرّقوا واخرجوا من منزله. وَلا مُسْتأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ فقوله : وَلا مُسْتأْنِسينَ لِحَديثٍ في موضع خفض عطفا به على ناظرين، كما يقال في الكلام : أنت غير ساكت ولا ناطق. وقد يحتمل أن يقال :«مستأنسين » في موضع نصب عطفا على معنى ناظرين، لأن معناه : إلا أن يؤذن لكم إلى طعام لا ناظرين إناه، فيكون قوله : وَلا مُسْتأْنِسِينَ نصبا حينئذ، والعرب تفعل ذلك إذا حالت بين الأوّل والثاني، فتردّ أحيانا على لفظ الأوّل، وأحيانا على معناه، وقد ذكر الفراء أن أبا القمقام أنشده :
| أجِدّك لَسْتَ الدّهْرَ رَائيَ رَامَةٍ | وَلا عاقِلٍ إلاّ وأنْتَ جَنِيبُ |
| وَلا مُصْعِدٍ فِي المُصْعِدِينَ لَمِنْعِجٍ | وَلا هابِطا ما عِشْتُ هَضْبَ شَطِيبِ |
ومعنى قوله : وَلا مُسْتأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ : ولا متحدّثين بعد فراغكم من أكل الطعام إيناسا من بعضكم لبعض به، كما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وَلا مُسْتأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ بعد أن تأكلوا.
واختلف أهل العلم في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه، فقال بعضهم : نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله ﷺ في وليمة زينب بنت جحش، ثم جلسوا يتحدّثون في منزل رسول الله ﷺ، وبرسول الله ﷺ إلى أهله حاجة، فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منزله. ذكر من قال ذلك :
حدثني عمران بن موسى القزاز، قال : حدثنا عبد الوارث، قال : حدثنا عبد العزيز بن صُهَيب، عن أنس بن مالك، قال : بنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، فبعثت داعيا إلى الطعام، فدعوت، فيجيء القوم يأكلون ويخرجون ثم يجيء القوم يأكلون ويخرجون، فقلت : يا نبيّ الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، قال :«ارفعوا طعامكم »، وإن زينب لجالسة في ناحية البيت، وكانت قد أعطيت جمالاً، وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون في البيت، وخرج رسول الله ﷺ منطلقا نحو حجرة عائشة، فقال :«السّلامُ عَلَيْكُمْ أهْلَ البَيْتِ » فقالوا : وعليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك ؟ قال : فأتى حجر نسائه، فقالوا مثل ما قالت عائشة، فرجع النبيّ ﷺ، فإذا الثلاثة يتحدّثون في البيت، وكان النبيّ ﷺ شديد الحياء، فخرج النبيّ ﷺ منطلقا نحو حجرة عائشة، فلا أدري أَخبرَتْه، أو أُخبر أن الرهط قد خرجوا، فرجع حتى وضع رجله في أُسكفّة داخل البيت، والأخرى خارجه، إذ أرخى الستر بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب.
حدثني أبو معاوية بشر بن دحية، قال : حدثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أنس بن مالك، قال : سألني أبيّ بن كعب عن الحجاب، فقلت : أنا أعلم الناس به، نزلت في شأن زينب أولم النبيّ ﷺ عليها بتمر وسويق، فنزلت : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النّبِيّ إلاّ أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى قوله : ذَلِكُمْ أطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنّ.
حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال : ثني عمي، قال : أخبرني يونس، عن الزهريّ، قال : أخبرني أنس بن مالك أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله ﷺ إلى المدينة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل في مبتني رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش أصبح رسول الله ﷺ بها عروسا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام حتى خرجوا، وبقي منهم رهط عند رسول الله ﷺ فأطالوا المكث، فقام رسول الله ﷺ وخرج، وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى رسول الله ﷺ ومشيت معه، حتى جاء عتبة حجرة عائشة زوج النبيّ ﷺ، ثم ظنّ رسول الله ﷺ أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع رسول الله ﷺ ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب بيني وبينه سترا، وأنزل الحجاب.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس، قال : دعوت المسلمين إلى وليمة رسول الله ﷺ، صبيحة بنى بزينب بنت جحش، فأوسعهم خبزا ولحما، ثم رجع كما كان يصنع، فأتى حجر نسائه فسلم عليهنّ، فدعون له، ورجع إلى بيته وأنا معه فلما انتهينا إلى الباب إذا رجلان قد جرى بهما الحديث في ناحية البيت، فلما أبصرهما ولى راجعا فلما رأيا النبيّ ﷺ ولّى عن بيته، ولّيا مُسْرِعين، فلا أدري أنا أخبرته، أو أُخبر فرجع إلى بيته، فأرخى الستر بيني وبينه، ونزلت آية الحجاب.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس بن مالك، قال : قال عمر بن الخطاب : قلت لرسول الله ﷺ : لو حجبت عن أمهات المؤمنين، فإنه يدخل عليك البرّ والفاجر، فنزلت آية الحجاب.
حدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال : حدثنا سليمان بن حرب، قال : حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال : أنا أعلم الناس بهذه الاَية، آية الحجاب لما أُهديت زينب إلى رسول الله ﷺ صنع طعاما، ودعا القوم، فجاؤوا فدخلوا وزينب مع رسول الله ﷺ في البيت، وجعلوا يتحدّثون، وجعل رسول الله ﷺ يخرج ثم يدخل وهم قعود، قال : فنزلت هذه الاَية : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النّبِيّ. . . . إلى : فاسأَلُوهُنّ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ قال : فقام القوم وضرب الحجاب.
حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال : حدثنا أبي، عن بيان، عن أنس بن مالك، قال : بنى رسول الله ﷺ بامرأة من نسائه، فأرسلني، فدعوت قوما إلى الطعام فلما أكلوا وخرجوا، قام رسول الله ﷺ منطلقا قِبَلَ بيت عائشة، فرأى رجلين جالسين، فا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾
يقول تعالى ذكره لأصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت نبي الله إلا أن تدعوا إلى طعام تطعمونه (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) يعني: غير منتظرين إدراكه وبلوغه، وهو مصدر من قولهم: قد أنى هذا الشيء يأني إنى وأنيا وإناء، قال الحطيئة:
| وآنيتُ العَشاءَ إلَى سُهَيلٍ | أوِ الشِّعْرَى فطال بيَ الأنَاءُ (١) |
| أي بلغ وأدرك. تمخط المنون له بيوم | أني ولكل حاملة تمام |
| هاجَتْ وَمِثْلِي نَوْلُهُ أن يَرْبَعا | حمامةٌ ناختْ حَمَامًا سُجَّعًا (١) |
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قول الله (إلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) قال: متحيِّنين نضجه.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) يقول: غير ناظرين الطعام أن يصنع.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) قال: غير متحينين طعامه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله. ونصب (غير) في قوله (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) على الحال من الكاف والميم في قوله (إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) لأن الكاف والميم معرفة وغير نكرة، وهي من صفة الكاف والميم. وكان بعض نحويِّي البصرة يقول: لا يجوز في (غَيْرَ) الجر على الطعام، إلا أن تقول: أنتم، ويقول: ألا ترى أنك لو قلت: أبدى لعبد الله عليَّ امرأة مبغضًا لها، لم يكن فيه إلا النصب، إلا أن تقول: مبغض لها هو، لأنك إذا أجريت صفته عليها، ولم تظهر الضمير الذي يدل على أن الصفة
وكان بعض نحويي الكوفة يقول: لو جعلت (غَيْرَ) في قوله (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) خفضًا كان صوابًا، لأن قبلها الطعام وهو نكرة، فيجعل فعلهم تابعًا للطعام، لرجوع ذكر الطعام في إناه، كما تقول العرب: رأيت زيدًا مع امرأةٍ محسنًا إليها ومحسنٍ إليها؛ فمن قال محسنًا جعله من صفة زيد، ومن خفضه فكأنه قال: رأيته مع التي يحسن إليها، فإذا صارت الصلة للنكرة أتبعتها وإن كانت فعلا لغير النكرة، كما قال الأعشى:
| فقُلتُ لهُ هذهِ هاتِها | إلينا بأدْمَاءَ مُقْتَادِها (١) |
| فَقُلنَا لَهُ هَذِهِ هاتِها | بأَدْماءَ فِي حَبْلِ مُقْتادِها |
| وإنِ امرَءًا أهْدَى إلَيكِ وَدُونُهَ | منَ الأرضِ موْمَاةٌ وَبَيْدَاءُ فَيْهَقُ |
| لَمَحْقُوقَةٌ أن تَستجيبي لِصوتِهِ | وأن تعْلَمِي أنَّ المُعَانَ مُوَفَّقُ (١) |
| أرأيت إذْ أَعطَيتكِ الودَّ كلَّه | ولم يكُ عندي إن أبيتِ إباءُ |
| أمُسلِمتي للموت أنت فميِّتٌ | وهل للنفوس المسلماتِ بقاءُ (٢) |
والصواب من القول في ذلك عندنا، القول بإجازة جر (غير) في (غَيْرَ نَاظِرِينَ) في الكلام، لا في القراءة لما ذكرنا من الأبيات التي حكيناها، فأما في القراءة فغير جائز في (غير) غير النصب، لإجماع الحجة من القراء على نصبها.
(٢) هذان البيتان لم أجدهما في معاني القرآن للفراء، ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة. والشاهد فيهما أن قوله فميت معطوف على قوله: (أمسلمتي)، والمعطوف هنا غير المعطوف عليه في المعنى، فكان مقتضى ذلك أن يقول: فميت أنا، بإبراز الضمير على مذهب البصريين، ولكنه لم يبرز الضمير وهو موافق لمذهب الكوفيين الذين يقولون بجواز إبراز الضمير وعدم إبرازه، وهذا كثير في كلام العرب.
| أجِدكَ لستَ الدهرَ رائيَ رامَة | ولا عاقلٍ إلا وانت جنِيبُ |
| ولا مُصعِدٍ في المُصعِدينَ لمنْعِجٍ | ولا هابطًا ما عِشْتُ هَضْبَ شطيبِ (١) |
ومعنى قوله (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) : ولا متحدثين بعد فراغكم من
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) بعد أن تأكلوا.
واختلف أهل العلم في السبب الذي نزلت هذه الآية فيه؛ فقال بعضهم: نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في وليمة زينب بنت جحش، ثم جلسوا يتحدثون في منزل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، وبرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى أهله حاجة فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منزله.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عمران بن موسى القزاز، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: بنى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بزينب بنت جحش، فبعثت داعيًا إلى الطعام، فدعوت، فيجيء القوم يأكلون ويخرجون، ثم يجيء القوم يأكلون ويخرجون، فقلت: يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحدًا أدعوه، قال: ارفعوا طعامكم، وإن زينب لجالسة في ناحية البيت، وكانت قد أعطيت جمالا وبقي ثلاثة نفر يتحدثون في البيت، وخرج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منطلقًا نحو حجرة عائشة، فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ " فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ قال: فأتى حجر نسائه فقالوا مثل ما قالت عائشة، فرجع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، فإذا الثلاثة يتحدثون في البيت، وكان النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم شديد الحياء، فخرج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منطلقًا نحو حجرة عائشة، فلا أدري أخبرته، أو أخبر أن الرهط قد خرجوا، فرجع حتى وضع رجله في أسكفة داخل البيت، والأخرى خارجه، إذ أرخي الستر بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب.
| (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ | ) إلى قوله (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ). |
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أَبي عدي، عن حميد، عن أنس، قال: دعوت المسلمين إلى وليمة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، صبيحة بنى بزينب بنت جحش، فأوسعهم خبزًا ولحمًا، ثم رجع كما كان يصنع، فأتى حجر نسائه فسلم عليهن، فدعون له، ورجع إلى بيته وأنا معه، فلما انتهينا إلى الباب إذا رجلان قد جرى بهما الحديث في ناحية البيت، فلما أبصرهما ولى راجعًا، فلما رأيا النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولَّى عن بيته، ولَّيا مسرعين، فلا أدري أنا أخبرته أو أخبر فرجع إلى بيته، فأرخي الستر بيني وبينه، ونزلت آية الحجاب.
حدثني القاسم بن بشر بن معروف، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أَبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال: أنا أعلم الناس بهذه الآية؛ آية الحجاب: لما أهديت زينب إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم صنع طعامًا، ودعا القوم، فجاءوا فدخلوا وزينب مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم في البيت، وجعلوا يتحدثون، وجعل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يخرج ثم يدخل وهم قعود، قال: فنزلت هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ... ) إلى (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) قال: فقام القوم وضرب الحجاب.
حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، قال: ثنا أبي، عن بيان، عن أنس بن مالك، قال: بنى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بامرأة من نسائه، فأرسلني فدعوت القوم إلى الطعام، فلما أكلوا وخرجوا، قام رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم منطلقًا قبل بيت عائشة، فرأى رجلين جالسين، فانصرف راجعًا، فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ).
حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أَبو داود، قال: ثنا المسعودي، قال: ثنا ابن نهشل، عن أَبي وائل عن عبد الله، قال: أمر عمر نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحجاب، فقالت زينب: يا بن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فأنزل الله (وَإذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ).
حدثني محمد بن مرزوق، قال: ثنا أشهل بن حاتم، قال: ثنا ابن عون، عن عمرو بن سعد، عن أنس، قال: وكنت مع النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وكان
وقال آخرون: كان ذلك في بيت أم سلمة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) قال: كان هذا في بيت أم سلمة، قال: أكلوا، ثم أطالوا الحديث، فجعل النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يدخل ويخرج ويستحي منهم، والله لا يستحي من الحق.
قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) قال: بلغنا أنهن أمرن بالحجاب عند ذلك.
وقوله (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ) يقول: إن دخولكم بيوت النبي من غير أن يؤذن لكم وجلوسكم فيها مستأنسين للحديث بعد فراغكم من أكل الطعام الذي دعيتم له كان يؤذي النبي فيستحي منكم أن يخرجكم منها إذا قعدتم فيها للحديث بعد الفراغ من الطعام، أو يمنعكم من الدخول إذا دخلتم بغير إذن مع كراهيته لذلك منكم (وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) أن يتبين لكم، وإن استحيا نبيكم فلم يبين لكم كراهية ذلك حياء منكم. (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) يقول: وإذا سألتم أزواج رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا (فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن (ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها التي تعرض
وقد قيل: إن سبب أمر الله النساء بالحجاب، إنما كان من أجل أن رجلا كان يأكل مع رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وعائشة معهما، فأصابت يدها يد الرجل، فكره ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد، أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره ذلك رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فنزلت آية الحجاب.
وقيل: نزلت من أجل مسألة عمر رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أَبو كريب ويعقوب، قالا ثنا هشيم، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس، قال: قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ قال: فنزلت آية الحجاب.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: ثنا حميد، عن أنس، عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بنحوه.
حدثني أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثني عمرو بن عبد الله بن وهب، قال: ثني يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: إن أزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع؛ وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول: يا رسول الله احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا ابن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجت سودة لحاجتها بعد ما ضرب علينا الحجاب، وكأنت امرأة تفرع النساء طولا فأبصرها عمر، فناداها: يا سودة إنك والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين أو كيف تصنعين؟ فانكفأت فرجعت إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وإنه ليتعشى، فأخبرته بما كان وما قال لها، وإن في يده لعرقًا (١) فأوحي إليه ثم رفع عنه، وإن العرق لفي يده، فقال: "لَقَدْ أذنَ لَكُنَّ أنْ تَخْرجنَ لحَاجَتكُن".
حدثني أحمد بن محمد الطوسي، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا همام، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن أَبي وائل، عن ابن مسعود، قال: أمر عمر نساء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بالحجاب فقالت زينب: يا ابن الخطاب، إنك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا؟ فأنزل الله (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ).
حدثني أبو أيوب النهراني سليمان بن عبد الحميد، قال: ثنا يزيد بن عبد ربه، قال: ثني ابن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن أزواج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع وهو صعيد أفيح، وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة؛ حرصًا على أن ينزل الحجاب، قالت عائشة: فأنزل الله الحجاب، قال الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
وقوله (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) يقول تعالى ذكره: وما ينبغي لكم أن تؤذوا رسول الله، وما يصلح ذلك لكم (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) يقول: وما ينبغي لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا لأنهن أمهاتكم، ولا يحل للرجل أن يتزوج أمه.
وذكر أن ذلك نزل في رجل كان يدخل قبل الحجاب، قال: لئن مات محمد لأتزوجن امرأة من نسائه سماها، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا).
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) قال: ربما بلغ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن الرجل يقول: لو أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم توفي تزوجت فلانة من بعده، قال: فكان ذلك يؤذي النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ فنزل القرآن (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ... ) الآية.
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم مات، وقد ملك قيلة بنت الأشعث، فتزوجها عكرِمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق على أَبي بكر مشقة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنها ليست من نسائه إنها لم يخيرها رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ولم يحجبها، وقد برأها منه بالردة التي أرتدت مع قومها، فاطمأن أَبو بكر وسكن.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داود عن عامر، أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم توفي وقد ملك بنت الأشعث بن قيس ولم