روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ شروع في بيان بعض الحقوق على الناس المتعلقة به ﷺ وهو عند نسائه، والحقوق المتعلقة بهن رضي الله تعالى عنهن ومناسبة ذلك لما تقدم ظاهرة، والآية عند الأكثرين نزلت يوم تزوج عليه الصلاة والسلام زينت بنت جحش.
أخرج الإمام أحمد. وعبد بن حميد. والبخاري. ومسلم. والنسائي. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم. وابن مردويه. والبيهقي في سننه من طرق عن أنس قال : لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس ثم أنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله تعالى :﴿يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي﴾ الآية والنهي للتحريم، وقوله سبحانه :﴿إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ﴾ بتقدير باء المصاحبة استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال كونكم مصحوبين بالإذن.
وجوز أبو حيان كونه بتقدير باء السببية فيكون الاستثناء من أعم الأسباب أي لا تدخلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الإذن، وذهب الزمخشري إلى أنه استثناء من أعم الأوقات أي لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت أن يؤذن لكم، وأورد عليه أبو حيان أن الوقوع موقع الظرف مختص بالمصدر الصريح دون المؤول فلا يقال أتيتك أن يصيح الديك وإنما يقال أتيتك صياح الديك، ولا يخفى أن القول بالاختصاص أحد قولين للنحاة في المسألة نعم إنه الأشهر والزمخشري إمام في العربية لا يعترض عليه بمثل هذه المخالفة.
وزعم بعضهم أن الوقت مقدر في نظم الكلام فيكون محذوفاً حذف حرف الجر وأن هذا ليس من باب وقوع المصدر موقع الظرف.
وأجاز بعض الأجلة كون ذلك استثناء من أعم الأحوال بلا تقدير الباء بل باعتبار أن المصدر مؤول باسم المفعول أي لا تدخلوها إلا مأذوناً لكم والمصدر المسبوك قد يؤول بمعنى المفعول كما قيل في قوله تعالى :﴿مَا كَانَ هذا القرءان أَن يَفْتَرِى﴾ [ يونس : ٧ ٣ ] إن المعنى ما كان هذا القرآن مفترى فمن قال كون المصدر بمعنى المفعول غير معروف في المؤول لم يصب، وقيل فيما ذكر مخالفة لقول النحاة المصدر المسبوك معرفة دائماً كما صرح به في «المغني ».
وتعقبه الخفاجي بأن الحق أنه سطحي وأنه قد يكون نكرة وذكر قوله تعالى :﴿مَا كَانَ﴾ الخ، وقوله سبحانه :﴿إلى طَعَامٍ﴾ متعلق بيؤذن وعدى بإلى مع أنه يتعدى بفي فيقال أذن له في كذا لتضمينه معنى الدعاء للإشعار بأنه لا ينبغي أن يدخلوا على طعام بغير دعوة وإن تحقق الإذن الصريح في دخول البيت فإن كل إذن ليس بدعوة، وقيل يجوز أن يكون قد تنازع فيه الفعلان ﴿تَدْخُلُواْ﴾ وهو مما لا بأس به، وقوله تعالى :
﴿غَيْرَ ناظرين﴾ أي غير منتظرين نضجه وبلوغه تقول أنى الطعام يأنى أنى كقلى يقلى قلى إذا نضج وبلغ قاله الزجاج ؛ وقال مكي : أناه ظرف زمان مقلوب آن التي بمعنى الحين فقلبت النون قبل الألف وغيرت الهمزة إلى الكسرة أي غير ناظرين آنه أي حينه والمراد حين إدراكه ونضجه أو حين أكله حال من فاعل تدخلوا وهو حال مفرغ من أعم الأحوال كما سمعت في ﴿إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وإذا جعل ذلك حالاً فهي حال مترادفة فكأنه قيل : لا تدخلوا في حال من الأحوال إلا مصحوبين بالإذن غير ناظرين، والظاهر أنها حال مقدرة ويحتمل أن تكون مقارنة، والزمخشري بعد أن جعل ما تقدم نصباً على الظرفية جعل هذا حالاً أيضاً لكنه قال بعد وقع الاستثناء على الوقت والحال معاً كأنه قيل لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين.
وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز على مذهب الجمهور من أنه لا يقع بعد إلا في الاستثناء إلا المستثنى أو المستثنى منه أو صفة المستثنى منه ثم قال وأجاز الأخفش. والكسائي ذلك في الحال أجاز ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا فيجوز ما قاله الزمخشري عليه ولا يخفى على المتأمل في كلام الزمخشري أنه بعيد بمراحل عن جعل الآية الكريمة كالمثال المذكور لأنه على التأخير والتقديم وكلامه آب عن اعتبار ذلك في الآية نعم لو اقتصر على جعل ﴿غَيْرَ ناظرين﴾ حالاً من ضمير ﴿تَدْخُلُواْ﴾ لأمكن أن يقال إن مراده لا تدخلوا غير ناظرين إلا أن يؤذن لكم ويكون المعنى أن دخولهم غير ناظرين إناه مشروط بالإذن وأما دخولهم ناظرين فممنوع مطلقاً بطريق الأولى ثم قدم المستثنى وأخر الحال. وتعقبه بعضهم بأن فيه استثناء شيئين وهما الظرف والحال بأداة واحدة وقد قال ابن مالك في التسهيل : لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان وظاهره عدم جواز ذلك سواء كان الاستثناء مفرغاً أم لا وسواء كان الشيئآن مما يعمل فيهما العامل المتقدم أم لا فلا يجوز قام القوم إلا زيداً عمراً ولا ما قام القوم إلا زيداً عمراً أو إلا زيد عمرو ولا ما قام إلا خالد بكر ولا ما أعطيت أحداً شيئاً إلا عمراً دانقاً ولا ما أعطيت إلا عمراً دانقاً ولا ما أخذ أحد شيئاً إلا زيد درهماً ولا ما أخذ أحد إلا زيد درهماً، والكلام في هذه المسألة وما يصح من هذه التراكيب وما لا يصح وإذا صح فعلي أي وجه يصح طويل عريض، والذي أميل إليه تقييد إطلاقهم لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيآن بما إذا كان الشيئآن لا يعمل فيهما العامل السابق قبل الاستثناء فلا يجوز ما قام إلا زيد إلا بكر مثلاً إذ لا يكون للفعل فاعلان دون عطف ولا ما ضربت إلا زيداً عمراً مثلاً إذ لا يكون لضرب مفعولان دون عطف أيضاً، وأرى جواز نحو ما أعطيت أحداً شيئاً إلا عمراً دانقاً ونحو ما ضرب إلا زيد عمراً من غير حاجة إلى التزام إبدال اسمين من اسمين نظير قوله :
في الأول وإضمار فعل ناصب لعمرو دل عليه المذكور في الثاني، وما ذكره ابن مالك في الاحتجاج على الشبه بالعطف حيث قال : كما لا يقدر بعد حرف العطف معطوفان كذلك لا يقدر بعد حرف الاستثناء مستثنيان لا يتم علينا فإنا نقول في العطف بالجواز في مثل ما ضرب زيد عمراً. وبكر خالداً قطعاً فنحو ما أعطيت أحداً شيئاً إلا زيداً دانقاً كذلك، وقوله : إن الاستثناء في حكم جملة مستأنفة لأن معنى جاء القوم إلا زيداً جاء القوم ما منهم زيد وهو على ما قيل يقتضي أن لا يعمل ما قبل إلا فيما بعدها في مثل ما ذكر لأنها بمثابة ما وليس ذلك من الصور المستثناة ليس بشيء كما لا يخفى، وما في أمالي الكافية من أنه لا بد في المستثنى المفرغ من تقدير عام فلو استعمل بعد إلا شيئآن فأما أن لا يقدر عام أصلاً وهو يخالف حكم الباب أو يقدر عامان وهو يؤدي إلى أمر خارج عن القياس من غير ثبت ولو جاز في الاثنين جاز فيما فوقهما وهو ظاهر البطلان أو يقدر لأحدهما دون الآخر وهو يؤدي إلى اللبس فيما قصد. تعقبه الحديثي بأن لقائل أن يختار الثالث ويقول : العام لا يقدر إلا للذي يلي إلا منهما لأنه المستثنى المفرغ ظاهراً فلا يحصل اللبس أصلاً، وأبو حيان قدر في الآية محذوفاً وجعل ﴿غَيْرَ ناظرين﴾ حالاً من الضمير فيه والتقدير ادخلوا غير ناظرين وهو الذي يقتضيه كلام ابن مالك حيث أوجب في نحو ما ضرب إلا زيد عمراً جعل عمراً مفعولاً لمحذوف دل عليه المذكور، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً وقعت جواباً لسؤال نشأ من الجملة الأولى كأنه لما قيل ما ضرب إلا زيد سأل سائل من ضرب ؟ فقيل : ضرب عمراً، وذكر العلامة تقي الدين السبكي عليه الرحمة في رسالته المسماة بالحلم والأناة في إعراب ﴿غَيْرَ ناظرين إناه﴾ وفيها يقول الصلاح الصفدي :
إن الظاهر أن الزمخشري ما قال ذلك إلا تفسير معنى والمستثنى في الحقيقة هو المصدر المتعلق به الظرف والحال فكأنه قيل : لا تدخلوا إلا دخولاً مصحوباً بكذا ثم قال : وليست أقول بتقدير مصدر هو عامل فيهما فإن العمل للفعل المفرغ وإنما أردت شرح المعنى، ومثل هذا الإعراب هو الذي نختاره في قوله تعالى :﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [ آل عمران : ٩ ١ ] أي إلا اختلافاً من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم فمن بعد ما جاءهم وبغياً ليسا مستثنيين بل وقع عليهما المستثنى وهو الاختلاف كما تقول ما قمت إلا يوم الجمعة ضاحكاً أمام الأمير في داره فكلها يعمل فيها الفعل المفرغ من جهة الصناعة وهي من جهة المعنى كالشيء الواحد لأنها بمجموعها بعض من المصدر الذي تضمنه الفعل المنفي وهذا أحسن من أن يقدر اختلفوا بغياً بينهم لأنه حينئذٍ لا يفيد الحصر وعلى ما قلناه يفيد الحصر فيه كما أفاده في قوله تعالى :﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم﴾ فهو حصر في شيئين لكن بالطريق الذي قلناه لا أنه استثناء شيئين بل استثناء شيء صادق على شيئين، ويمكن حمل كلام الزمخشري على ذلك فقوله : وقع الاستثناء على الوقت والحال معاً صحيح وأن المستثنى أعم لأن الأعم يقع على الأخص والواقع على الواقع واقع فتخلص عما ورد عليه من قول النحاة لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئآن انتهى فتدبره، وجوز أن يكون ﴿غَيْرَ ناظرين﴾ حالاً من المجرور في ﴿لَكُمْ﴾ ولم يذكره الزمخشري، وفي «الكشف » لو جعل حالاً من ذلك لأفاد ما ذكره من حيث أنه نهى عن الدخول في جميع الأوقات إلا وقت وجود الإذن المقيد، وقال العلامة تقي الدين : لم يجعل حالاً من ذلك وإن كان جائزاً من جهة الصناعة لأنه يصير حالاً مقدرة ولأنهم لا يصيرون منهيين عن الانتظار بل يكون ذلك قيداً في الإذن وليس المعنى على ذلك بل على أنهم نهوا أن يدخلوا إلا بإذن ونهوا إذا دخلوا أن يكونوا غير ناظرين أناه فلذلك امتنع من جهة المعنى أن يكون العامل فِيهِ ﴿يُؤْذَنَ﴾ وأن يكون حالاً من مفعوله اه.
ولعله أبعد نظراً مما في «الكشف »، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿غَيْرِ﴾ بالكسر على أنه صفة لطعام فيكون جارياً على غير من هوله، ومذهب البصريين في ذلك وجوب إبراز الضمير بأن يقال هنا غير ناظم أنتم أو غير ناظرين أنتم ولا بأس بحذفه عند الكوفيين إذا لم يقع لبس كما هنا والتخريج المذكور عليه، وقد أمال حمزة.
والكسائي ﴿إناه﴾ بناءً على أنه مصدر أنى الطعام إذا أدرك، وقرأ الأعمش ﴿إناءه﴾ بمدة بعد النون ﴿إناه وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا﴾ استدراك من النهي عن الدخول بغير إذن وفيه دلالة على أن المراد بالإذن إلى الطعام الدعوة إليه ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا﴾ أي فإذا أكلتم الطعام فتفرقوا ولا تلبثوا، والفاء للتعقيب بلا مهلة للدلالة على أنه ينبغي أن يكون دخولهم بعد الإذن والدعوة على وجه يعقبه الشروع في الأكل بلا فصل، والآية على ما ذهب إليه الجل من المفسرين خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام النبي ﷺ فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصة بهم وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم في المستقبل فالنهي مخصوص بمن دخل بغير دعوة وجلس منتظراً للط
أخرج الإمام أحمد. وعبد بن حميد. والبخاري. ومسلم. والنسائي. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم. وابن مردويه. والبيهقي في سننه من طرق عن أنس قال : لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس ثم أنهم قاموا فانطلقت فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله تعالى :﴿يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي﴾ الآية والنهي للتحريم، وقوله سبحانه :﴿إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ﴾ بتقدير باء المصاحبة استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تدخلوها في حال من الأحوال إلا حال كونكم مصحوبين بالإذن.
وجوز أبو حيان كونه بتقدير باء السببية فيكون الاستثناء من أعم الأسباب أي لا تدخلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الإذن، وذهب الزمخشري إلى أنه استثناء من أعم الأوقات أي لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت أن يؤذن لكم، وأورد عليه أبو حيان أن الوقوع موقع الظرف مختص بالمصدر الصريح دون المؤول فلا يقال أتيتك أن يصيح الديك وإنما يقال أتيتك صياح الديك، ولا يخفى أن القول بالاختصاص أحد قولين للنحاة في المسألة نعم إنه الأشهر والزمخشري إمام في العربية لا يعترض عليه بمثل هذه المخالفة.
وزعم بعضهم أن الوقت مقدر في نظم الكلام فيكون محذوفاً حذف حرف الجر وأن هذا ليس من باب وقوع المصدر موقع الظرف.
وأجاز بعض الأجلة كون ذلك استثناء من أعم الأحوال بلا تقدير الباء بل باعتبار أن المصدر مؤول باسم المفعول أي لا تدخلوها إلا مأذوناً لكم والمصدر المسبوك قد يؤول بمعنى المفعول كما قيل في قوله تعالى :﴿مَا كَانَ هذا القرءان أَن يَفْتَرِى﴾ [ يونس : ٧ ٣ ] إن المعنى ما كان هذا القرآن مفترى فمن قال كون المصدر بمعنى المفعول غير معروف في المؤول لم يصب، وقيل فيما ذكر مخالفة لقول النحاة المصدر المسبوك معرفة دائماً كما صرح به في «المغني ».
وتعقبه الخفاجي بأن الحق أنه سطحي وأنه قد يكون نكرة وذكر قوله تعالى :﴿مَا كَانَ﴾ الخ، وقوله سبحانه :﴿إلى طَعَامٍ﴾ متعلق بيؤذن وعدى بإلى مع أنه يتعدى بفي فيقال أذن له في كذا لتضمينه معنى الدعاء للإشعار بأنه لا ينبغي أن يدخلوا على طعام بغير دعوة وإن تحقق الإذن الصريح في دخول البيت فإن كل إذن ليس بدعوة، وقيل يجوز أن يكون قد تنازع فيه الفعلان ﴿تَدْخُلُواْ﴾ وهو مما لا بأس به، وقوله تعالى :
﴿غَيْرَ ناظرين﴾ أي غير منتظرين نضجه وبلوغه تقول أنى الطعام يأنى أنى كقلى يقلى قلى إذا نضج وبلغ قاله الزجاج ؛ وقال مكي : أناه ظرف زمان مقلوب آن التي بمعنى الحين فقلبت النون قبل الألف وغيرت الهمزة إلى الكسرة أي غير ناظرين آنه أي حينه والمراد حين إدراكه ونضجه أو حين أكله حال من فاعل تدخلوا وهو حال مفرغ من أعم الأحوال كما سمعت في ﴿إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وإذا جعل ذلك حالاً فهي حال مترادفة فكأنه قيل : لا تدخلوا في حال من الأحوال إلا مصحوبين بالإذن غير ناظرين، والظاهر أنها حال مقدرة ويحتمل أن تكون مقارنة، والزمخشري بعد أن جعل ما تقدم نصباً على الظرفية جعل هذا حالاً أيضاً لكنه قال بعد وقع الاستثناء على الوقت والحال معاً كأنه قيل لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن ولا تدخلوها إلا غير ناظرين.
وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز على مذهب الجمهور من أنه لا يقع بعد إلا في الاستثناء إلا المستثنى أو المستثنى منه أو صفة المستثنى منه ثم قال وأجاز الأخفش. والكسائي ذلك في الحال أجاز ما ذهب القوم إلا يوم الجمعة راحلين عنا فيجوز ما قاله الزمخشري عليه ولا يخفى على المتأمل في كلام الزمخشري أنه بعيد بمراحل عن جعل الآية الكريمة كالمثال المذكور لأنه على التأخير والتقديم وكلامه آب عن اعتبار ذلك في الآية نعم لو اقتصر على جعل ﴿غَيْرَ ناظرين﴾ حالاً من ضمير ﴿تَدْخُلُواْ﴾ لأمكن أن يقال إن مراده لا تدخلوا غير ناظرين إلا أن يؤذن لكم ويكون المعنى أن دخولهم غير ناظرين إناه مشروط بالإذن وأما دخولهم ناظرين فممنوع مطلقاً بطريق الأولى ثم قدم المستثنى وأخر الحال. وتعقبه بعضهم بأن فيه استثناء شيئين وهما الظرف والحال بأداة واحدة وقد قال ابن مالك في التسهيل : لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيئان وظاهره عدم جواز ذلك سواء كان الاستثناء مفرغاً أم لا وسواء كان الشيئآن مما يعمل فيهما العامل المتقدم أم لا فلا يجوز قام القوم إلا زيداً عمراً ولا ما قام القوم إلا زيداً عمراً أو إلا زيد عمرو ولا ما قام إلا خالد بكر ولا ما أعطيت أحداً شيئاً إلا عمراً دانقاً ولا ما أعطيت إلا عمراً دانقاً ولا ما أخذ أحد شيئاً إلا زيد درهماً ولا ما أخذ أحد إلا زيد درهماً، والكلام في هذه المسألة وما يصح من هذه التراكيب وما لا يصح وإذا صح فعلي أي وجه يصح طويل عريض، والذي أميل إليه تقييد إطلاقهم لا يستثنى بأداة واحدة دون عطف شيآن بما إذا كان الشيئآن لا يعمل فيهما العامل السابق قبل الاستثناء فلا يجوز ما قام إلا زيد إلا بكر مثلاً إذ لا يكون للفعل فاعلان دون عطف ولا ما ضربت إلا زيداً عمراً مثلاً إذ لا يكون لضرب مفعولان دون عطف أيضاً، وأرى جواز نحو ما أعطيت أحداً شيئاً إلا عمراً دانقاً ونحو ما ضرب إلا زيد عمراً من غير حاجة إلى التزام إبدال اسمين من اسمين نظير قوله :
| ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه | ببعض أبت عيدانه أن تكسرا |
| يا طالب النحو في زمان | أطول ظلاً من القناة |
| وما تحلى منه بعقد | عليك بالحلم والأناة |
ولعله أبعد نظراً مما في «الكشف »، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿غَيْرِ﴾ بالكسر على أنه صفة لطعام فيكون جارياً على غير من هوله، ومذهب البصريين في ذلك وجوب إبراز الضمير بأن يقال هنا غير ناظم أنتم أو غير ناظرين أنتم ولا بأس بحذفه عند الكوفيين إذا لم يقع لبس كما هنا والتخريج المذكور عليه، وقد أمال حمزة.
والكسائي ﴿إناه﴾ بناءً على أنه مصدر أنى الطعام إذا أدرك، وقرأ الأعمش ﴿إناءه﴾ بمدة بعد النون ﴿إناه وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا﴾ استدراك من النهي عن الدخول بغير إذن وفيه دلالة على أن المراد بالإذن إلى الطعام الدعوة إليه ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا﴾ أي فإذا أكلتم الطعام فتفرقوا ولا تلبثوا، والفاء للتعقيب بلا مهلة للدلالة على أنه ينبغي أن يكون دخولهم بعد الإذن والدعوة على وجه يعقبه الشروع في الأكل بلا فصل، والآية على ما ذهب إليه الجل من المفسرين خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام النبي ﷺ فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه مخصوصة بهم وبأمثالهم ممن يفعل مثل فعلهم في المستقبل فالنهي مخصوص بمن دخل بغير دعوة وجلس منتظراً للط