تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
قال(١) البخاري : حدثنا محمد بن عبد الله الرَّقاشي، حدثنا مُعْتَمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مِجْلَز، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال : لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم فَطَعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو [ كأنه ](٢) يتهيأ(٣) للقيام فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قام، فلما قام [ قام ](٤) مَنْ قام، وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبي ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت، فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقي [ الحجاب ](٥) بيني وبينه، فأنزل الله :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية.
وقد رواه أيضا في موضع آخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن معتمر بن سليمان، به(٦). ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، [ بنحوه (٧). ثم قال (٨) : حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك ] (٩) قال : بُني [ على ] (١٠) النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلْتُ على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوتُ حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت : يا نبي الله، ما أجد أحدا أدعوه. قال :" ارفعوا طعامكم "، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال :" السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ". قالت : وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك ؟ فَتَقَرّى حجر نسائه كُلّهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثم رجع رسول الله(١١) ﷺ فإذا رهط ثلاثة [ في البيت ](١٢) يتحدثون. وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حُجْرة عائشة، فما أدري أخبرتُه أم أخبر أن القوم خَرَجُوا ؟ فرجع حتى إذا وضع رجله في أُسْكُفة الباب داخله، وأخرى خارجة، أرْخَى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب [ الستة ](١٣)، سوى النسائي في اليوم والليلة، من حديث عبد الوارث(١٤).
ثم رواه عن إسحاق - هو ابن منصور - عن عبد الله بن بكر(١٥) السهمي، عن حُمَيد، عن أنس، بنحو ذلك(١٦)، وقال :" رجلان " انفرد به من هذا الوجه. وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.
وقال ابن أبي حاتم(١٧) : حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد - أبي عثمان اليَشْكُرِي - عن أنس بن مالك قال : أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيسا ثم وضعته(١٨) في تَوْر، فقالت : اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ، وأقرئه مني السلام، وأخبره أن هذا منا له قليل - قال أنس : والناس يومئذ في جَهد - فجئت به فقلت : يا رسول الله، بعثت بهذا أم سُلَيم إليك، وهي تقرئك السلام، وتقول : أخبره أن هذا منا له قليل، فنظر إليه ثم قال :" ضعه " فوَضَعته في ناحية البيت، ثم قال :" اذهب فادع لي فلانا وفلانا ". وسمى رجالا كثيرا، وقال :" ومَنْ لقيتَ من [ المسلمين ". فدعوتُ مَنْ قال لي، ومَنْ لقيت من ](١٩) المسلمين، فجئت والبيت والصُّفَّة والحجرة مَلأى من الناس - فقلت : يا أبا عثمان، كم كانوا ؟ فقال : كانوا زهاء ثلاثمائة - قال أنس : فقال لي رسول الله ﷺ :" جِئْ به ". فجئتُ به إليه، فوضع يده عليه، ودعا وقال :" ما شاء الله ". ثم قال :" ليتَحَلَّق عَشَرة عَشَرة، وليسموا(٢٠)، وليأكل كل إنسان مما يليه ". فجعلوا يسمون ويأكلون، حتى أكلوا كلهم. فقال لي رسول الله ﷺ :" ارفعه ". قال : فجئتُ فأخذت التَّورَ فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت ؟ قال : وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله، وزَوجُ رسول الله ﷺ التي دخل بها معهم مُولّية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله ﷺ، وكان أشد الناس حياء - ولو أعلموا(٢١) كان ذلك عليهم عزيزًا - فقام رسول الله ﷺ فخرج فسلم على حُجَره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثَقَّلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسولُ الله ﷺ في بيته يسيرا، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ إلى قوله :﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. قال أنس : فقرأهن عَليّ قبل الناس، فأنا أحْدثُ الناس بهن عهدا.
وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، به(٢٢). وقال الترمذي : حسن صحيح وعَلَّقه البخاري في كتاب النكاح فقال :
وقال إبراهيم بن طَهْمَان، عن الجَعْد أبي عثمان، عن أنس، فذكر نحوه(٢٣).
ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الجعد، به(٢٤). وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك، عن شَرِيك، عن بيان بن بشر، عن أنس، بنحوه.
وروى(٢٥) البخاري والترمذي، من طريقين آخرين، عن بَيَان بن بشر الأحَمَسِي الكوفي، عن أنس، بنحوه(٢٦).
ورواه ابن أبي حاتم أيضا، من حديث أبي نَضْرَة العبدي، عن أنس بن مالك، بنحوه(٢٧) ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهري، عن أنس، بنحو ذلك(٢٨).
وقال الإمام أحمد : حدثنا بَهْزُ وهاشم بن القاسم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ : ليزيد " اذهب فاذكرها علي ". قال : فانطلق زيد حتى أتاها، قال : وهي تُخَمِّر عجينها، فلما رأيتُها عَظُمت في صدري. . . وذكر تمام الحديث، كما قدمناه عند قوله :﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾، وزاد في آخره بعد قوله : وَوَعَظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه :﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.
وقد أخرجه مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة(٢٩)، به(٣٠).
وقال(٣١) ابن جرير : حدثني أحمد بن عبد الرحمن - ابن أخي ابن وهب - حدثني عمي عبد الله بن وهب، حدثني يونس عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت : إن أزواج رسول الله ﷺ كُنّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع - وهو صعيد أفيح - وكان عمر يقول لرسول الله ﷺ : احجب نساءك. فلم يكن رسول الله ﷺ ليفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج رسول الله ﷺ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى : قد عرفناك يا سودة. حرْصًا أن(٣٢) ينزل الحجاب، قالت(٣٣) : فأنزل الله الحجاب(٣٤).
هكذا وقع في هذه الرواية. والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، من حديث هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت : خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جَسيمَةً لا تخفَى على مَنْ يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال : يا سودة، أما والله ما تَخْفَين علينا، فانظري كيف تخرجين ؟ قالت : فانكفأت راجعة، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عَرْق، فدخلت فقالت : يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت : فأوحى الله إليه، ثم رُفعَ عنه وإن العَرْق في يده، ما وضعه. فقال :" إنه قد أذنَ لكن أن تخرجن لحاجتكن ". لفظ البخاري(٣٥).
فقوله :﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ : حَظَر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة ؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ :" إياكم والدخول على النساء " (٣٦).
ثم استثنى من ذلك فقال :﴿إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.
قال مجاهد وقتادة وغيرهما : أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي : لا ترقبوا الطعام حتى(٣٧) إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا يكرهه الله ويذمه. وهذا دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفن، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا في ذم الطفيليين. وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها.
ثم قال تعالى :﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال : قال رسول الله ﷺ :" إذا دعا أحدكم أخاه فَلْيجب، عُرسًا كان أو غيره " (٣٨). وأصله في الصحيحين وفي الصحيح أيضا، عن رسول الله ﷺ :" لو دُعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ كُرَاع لقبلت، فإذا فَرَغتم من الذي دُعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض " (٣٩) ؛ ولهذا قال :﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي : كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونسُوا أنفسهم، حتى شَقّ ذلك على رسول الله ﷺ، كما قال [ الله ](٤٠) تعالى :﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾(٤١).
وقيل : المراد أن دخولكم منزله بغير إذنه(٤٢) كان يشق عليه ويتأذى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه، عليه السلام، حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك ؛ ولهذا قال :﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي : ولهذا نهاكم عن ذلك وزجرَكم عنه.
ثم قال تعالى :﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي : وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم(٤٣) حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب.
وقال(٤٤) ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مِسْعَر، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة قالت : كنت آكل مع النبي(٤٥) ﷺ حَيْسًا في قَعْب، فمر عمر فدعاه، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال : حَسِّ(٤٦) - أو : أوّه - لو أطاع فيكن ما رأتك(٤٧) عين. فنزل الح
وقد رواه أيضا في موضع آخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن معتمر بن سليمان، به(٦). ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، [ بنحوه (٧). ثم قال (٨) : حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك ] (٩) قال : بُني [ على ] (١٠) النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلْتُ على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوتُ حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت : يا نبي الله، ما أجد أحدا أدعوه. قال :" ارفعوا طعامكم "، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال :" السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ". قالت : وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك ؟ فَتَقَرّى حجر نسائه كُلّهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثم رجع رسول الله(١١) ﷺ فإذا رهط ثلاثة [ في البيت ](١٢) يتحدثون. وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حُجْرة عائشة، فما أدري أخبرتُه أم أخبر أن القوم خَرَجُوا ؟ فرجع حتى إذا وضع رجله في أُسْكُفة الباب داخله، وأخرى خارجة، أرْخَى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب [ الستة ](١٣)، سوى النسائي في اليوم والليلة، من حديث عبد الوارث(١٤).
ثم رواه عن إسحاق - هو ابن منصور - عن عبد الله بن بكر(١٥) السهمي، عن حُمَيد، عن أنس، بنحو ذلك(١٦)، وقال :" رجلان " انفرد به من هذا الوجه. وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.
وقال ابن أبي حاتم(١٧) : حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد - أبي عثمان اليَشْكُرِي - عن أنس بن مالك قال : أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيسا ثم وضعته(١٨) في تَوْر، فقالت : اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ، وأقرئه مني السلام، وأخبره أن هذا منا له قليل - قال أنس : والناس يومئذ في جَهد - فجئت به فقلت : يا رسول الله، بعثت بهذا أم سُلَيم إليك، وهي تقرئك السلام، وتقول : أخبره أن هذا منا له قليل، فنظر إليه ثم قال :" ضعه " فوَضَعته في ناحية البيت، ثم قال :" اذهب فادع لي فلانا وفلانا ". وسمى رجالا كثيرا، وقال :" ومَنْ لقيتَ من [ المسلمين ". فدعوتُ مَنْ قال لي، ومَنْ لقيت من ](١٩) المسلمين، فجئت والبيت والصُّفَّة والحجرة مَلأى من الناس - فقلت : يا أبا عثمان، كم كانوا ؟ فقال : كانوا زهاء ثلاثمائة - قال أنس : فقال لي رسول الله ﷺ :" جِئْ به ". فجئتُ به إليه، فوضع يده عليه، ودعا وقال :" ما شاء الله ". ثم قال :" ليتَحَلَّق عَشَرة عَشَرة، وليسموا(٢٠)، وليأكل كل إنسان مما يليه ". فجعلوا يسمون ويأكلون، حتى أكلوا كلهم. فقال لي رسول الله ﷺ :" ارفعه ". قال : فجئتُ فأخذت التَّورَ فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت ؟ قال : وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله، وزَوجُ رسول الله ﷺ التي دخل بها معهم مُولّية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله ﷺ، وكان أشد الناس حياء - ولو أعلموا(٢١) كان ذلك عليهم عزيزًا - فقام رسول الله ﷺ فخرج فسلم على حُجَره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثَقَّلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسولُ الله ﷺ في بيته يسيرا، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ إلى قوله :﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. قال أنس : فقرأهن عَليّ قبل الناس، فأنا أحْدثُ الناس بهن عهدا.
وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، به(٢٢). وقال الترمذي : حسن صحيح وعَلَّقه البخاري في كتاب النكاح فقال :
وقال إبراهيم بن طَهْمَان، عن الجَعْد أبي عثمان، عن أنس، فذكر نحوه(٢٣).
ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الجعد، به(٢٤). وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك، عن شَرِيك، عن بيان بن بشر، عن أنس، بنحوه.
وروى(٢٥) البخاري والترمذي، من طريقين آخرين، عن بَيَان بن بشر الأحَمَسِي الكوفي، عن أنس، بنحوه(٢٦).
ورواه ابن أبي حاتم أيضا، من حديث أبي نَضْرَة العبدي، عن أنس بن مالك، بنحوه(٢٧) ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهري، عن أنس، بنحو ذلك(٢٨).
وقال الإمام أحمد : حدثنا بَهْزُ وهاشم بن القاسم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ : ليزيد " اذهب فاذكرها علي ". قال : فانطلق زيد حتى أتاها، قال : وهي تُخَمِّر عجينها، فلما رأيتُها عَظُمت في صدري. . . وذكر تمام الحديث، كما قدمناه عند قوله :﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾، وزاد في آخره بعد قوله : وَوَعَظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه :﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.
وقد أخرجه مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة(٢٩)، به(٣٠).
وقال(٣١) ابن جرير : حدثني أحمد بن عبد الرحمن - ابن أخي ابن وهب - حدثني عمي عبد الله بن وهب، حدثني يونس عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت : إن أزواج رسول الله ﷺ كُنّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع - وهو صعيد أفيح - وكان عمر يقول لرسول الله ﷺ : احجب نساءك. فلم يكن رسول الله ﷺ ليفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج رسول الله ﷺ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى : قد عرفناك يا سودة. حرْصًا أن(٣٢) ينزل الحجاب، قالت(٣٣) : فأنزل الله الحجاب(٣٤).
هكذا وقع في هذه الرواية. والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، من حديث هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت : خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جَسيمَةً لا تخفَى على مَنْ يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال : يا سودة، أما والله ما تَخْفَين علينا، فانظري كيف تخرجين ؟ قالت : فانكفأت راجعة، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عَرْق، فدخلت فقالت : يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت : فأوحى الله إليه، ثم رُفعَ عنه وإن العَرْق في يده، ما وضعه. فقال :" إنه قد أذنَ لكن أن تخرجن لحاجتكن ". لفظ البخاري(٣٥).
فقوله :﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ : حَظَر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة ؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ :" إياكم والدخول على النساء " (٣٦).
ثم استثنى من ذلك فقال :﴿إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.
قال مجاهد وقتادة وغيرهما : أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي : لا ترقبوا الطعام حتى(٣٧) إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا يكرهه الله ويذمه. وهذا دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفن، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا في ذم الطفيليين. وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها.
ثم قال تعالى :﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾. وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال : قال رسول الله ﷺ :" إذا دعا أحدكم أخاه فَلْيجب، عُرسًا كان أو غيره " (٣٨). وأصله في الصحيحين وفي الصحيح أيضا، عن رسول الله ﷺ :" لو دُعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ كُرَاع لقبلت، فإذا فَرَغتم من الذي دُعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض " (٣٩) ؛ ولهذا قال :﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أي : كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونسُوا أنفسهم، حتى شَقّ ذلك على رسول الله ﷺ، كما قال [ الله ](٤٠) تعالى :﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾(٤١).
وقيل : المراد أن دخولكم منزله بغير إذنه(٤٢) كان يشق عليه ويتأذى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه، عليه السلام، حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك ؛ ولهذا قال :﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي : ولهذا نهاكم عن ذلك وزجرَكم عنه.
ثم قال تعالى :﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي : وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم(٤٣) حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب.
وقال(٤٤) ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مِسْعَر، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة قالت : كنت آكل مع النبي(٤٥) ﷺ حَيْسًا في قَعْب، فمر عمر فدعاه، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال : حَسِّ(٤٦) - أو : أوّه - لو أطاع فيكن ما رأتك(٤٧) عين. فنزل الح
١ - في ت: "وروى"..
٢ - زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
٣ - في ت: "تهيأ"..
٤ - زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
٥ - زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
٦ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩١) وبرقم (٦٢٣٩، ٦٢٧١) وصحيح مسلم برقم (١٤٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٢٠).
٧ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩٢)..
٨ - في ت: "قال البخاري"..
٩ -- زيادة من ت، ف، أ..
١٠ - زيادة من ت، ف، والبخاري، وفي أ: "بنى الله على النبي"..
١١ - في ت: "النبي"..
١٢ - زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
١٣ - زيادة من ت، ف، أ..
١٤ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩٣) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠١٠١)..
١٥ - في أ: "بكير"..
١٦ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩٤)..
١٧ - في ت: "روى مسلم والنسائي"..
١٨ - في ت، ف: "جعلت"..
١٩ - زيادة من ف، أ..
٢٠ - في ت، ف، أ: "ويسموا"..
٢١ - في ت، ف، أ: "علموا"..
٢٢ - صحيح مسلم برقم (١٤٢٨) وسنن الترمذي برقم (٣٢١٨) وسنن النسائي (٦/١٣٦)..
٢٣ - صحيح البخاري برقم (٥١٦٣)..
٢٤ - صحيح مسلم برقم (١٤٢٨)..
٢٥ - في أ: "ورواه"..
٢٦ - صحيح البخاري برقم (٥١٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٢١٩)..
٢٧ - في أ: "بنحوه ولم يخرجوه"..
٢٨ - تفسير الطبري (٢٢/٢٧)..
٢٩ - في هـ، أ: "جعفر بن سليمان" والتصويب من ت، ف، ومسلم..
٣٠ - المسند (٣/١٩٥)، وصحيح مسلم برقم (١٤٢٨)، وسنن النسائي (٦/٧٩)"..
٣١ - في ت: "وروى"..
٣٢ - في ف، أ: "حرصا أن أن"..
٣٣ - في ت: "قال"..
٣٤ - تفسير الطبري (٢٢/٢٨)..
٣٥ - المسند (٦/٥٦) وصحيح البخاري برقم (٤٧٩٥) وصحيح مسلم برقم (٢١٧٠)..
٣٦ - رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٢٣٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢١٧٢) من حديث عقبة بن عامر، رضي الله عنه..
٣٧ - في أ: "الطعام إذا طبخ حتى"..
٣٨ - صحيح مسلم برقم (١٤٢٩)..
٣٩ - في صحيح البخاري برقم (٢٥٦٨) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه..
٤٠ - زيادة من ف..
٤١ - بعدها في أ: "والله لا يستحيي من الحق"..
٤٢ - في أ: "إذن"..
٤٣ - في ت: "لأحدهم"..
٤٤ - في ت: "وروى"..
٤٥ - في ت: "رسول الله"..
٤٦ - في هـ: "خير" وفي ت، ف، أ: "حسن" والمثبت من النهاية لابن الأثير ١/٣٨٥..
٤٧ - في ت، أ: "ما رأتكن"..
٢ - زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
٣ - في ت: "تهيأ"..
٤ - زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
٥ - زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
٦ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩١) وبرقم (٦٢٣٩، ٦٢٧١) وصحيح مسلم برقم (١٤٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٢٠).
٧ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩٢)..
٨ - في ت: "قال البخاري"..
٩ -- زيادة من ت، ف، أ..
١٠ - زيادة من ت، ف، والبخاري، وفي أ: "بنى الله على النبي"..
١١ - في ت: "النبي"..
١٢ - زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
١٣ - زيادة من ت، ف، أ..
١٤ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩٣) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠١٠١)..
١٥ - في أ: "بكير"..
١٦ - صحيح البخاري برقم (٤٧٩٤)..
١٧ - في ت: "روى مسلم والنسائي"..
١٨ - في ت، ف: "جعلت"..
١٩ - زيادة من ف، أ..
٢٠ - في ت، ف، أ: "ويسموا"..
٢١ - في ت، ف، أ: "علموا"..
٢٢ - صحيح مسلم برقم (١٤٢٨) وسنن الترمذي برقم (٣٢١٨) وسنن النسائي (٦/١٣٦)..
٢٣ - صحيح البخاري برقم (٥١٦٣)..
٢٤ - صحيح مسلم برقم (١٤٢٨)..
٢٥ - في أ: "ورواه"..
٢٦ - صحيح البخاري برقم (٥١٧٠) وسنن الترمذي برقم (٣٢١٩)..
٢٧ - في أ: "بنحوه ولم يخرجوه"..
٢٨ - تفسير الطبري (٢٢/٢٧)..
٢٩ - في هـ، أ: "جعفر بن سليمان" والتصويب من ت، ف، ومسلم..
٣٠ - المسند (٣/١٩٥)، وصحيح مسلم برقم (١٤٢٨)، وسنن النسائي (٦/٧٩)"..
٣١ - في ت: "وروى"..
٣٢ - في ف، أ: "حرصا أن أن"..
٣٣ - في ت: "قال"..
٣٤ - تفسير الطبري (٢٢/٢٨)..
٣٥ - المسند (٦/٥٦) وصحيح البخاري برقم (٤٧٩٥) وصحيح مسلم برقم (٢١٧٠)..
٣٦ - رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٢٣٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢١٧٢) من حديث عقبة بن عامر، رضي الله عنه..
٣٧ - في أ: "الطعام إذا طبخ حتى"..
٣٨ - صحيح مسلم برقم (١٤٢٩)..
٣٩ - في صحيح البخاري برقم (٢٥٦٨) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه..
٤٠ - زيادة من ف..
٤١ - بعدها في أ: "والله لا يستحيي من الحق"..
٤٢ - في أ: "إذن"..
٤٣ - في ت: "لأحدهم"..
٤٤ - في ت: "وروى"..
٤٥ - في ت: "رسول الله"..
٤٦ - في هـ: "خير" وفي ت، ف، أ: "حسن" والمثبت من النهاية لابن الأثير ١/٣٨٥..
٤٧ - في ت، أ: "ما رأتكن"..