تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ذكر غير واحد من العلماء - كابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم - أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضًا عنهن، على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله ﷺ، كما تقدم في الآية. فلما اخترن رسول الله ﷺ، كان جزاؤهن أن [ الله ](١) قَصَره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حجر عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر(٢) في ذلك ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج(٣)، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تَزَوّج لتكون المنة للرسول(٤) ﷺ عليهن.
قال(٥) الإمام أحمد : حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت : ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء(٦).
ورواه أيضا من حديث ابن جُرَيْج، عن عَطاء، عن عبيد بن عمير(٧)، عن عائشة. ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما(٨).
وقال(٩) ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، حدثني عمر بن أبي بكر، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي(١٠)، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله(١١)، عن عبد الله بن وهب بن زَمْعَة، عن أم سلمة أنها قالت : لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحلَّ الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله، عز وجل :﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.
فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة، كآيتي عدة الوفاة في البقرة، الأولى ناسخة للتي بعدها، والله(١٢) أعلم.
وقال آخرون : بل معنى الآية :﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي : من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات(١٣) والخال والخالات(١٤) والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك. هذا مرويّ عن أبي بن كعب، ومجاهد، وعِكْرِمة، والضحاك - في رواية - وأبي رَزِين - في رواية عنه - وأبي صالح، والحسن، وقتادة - في رواية - والسدي، وغيرهم.
قال ابن جرير : حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن داود بن أبي هند، حدثني محمد بن أبي موسى، عن زياد - رجل من الأنصار(١٥) - قال : قلت لأبي بن كعب : أرأيت لو أن أزواج النبي ﷺ تُوُفين، أما كان له أن يتزوج ؟ فقال : وما يمنعه من ذلك ؟ قال : قلت : قوله :﴿لا يَحِلُّ (١٦) لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. فقال : إنما أحل الله له ضربا من النساء، فقال :﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله :﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ ثم قيل له :﴿لا يَحِلُّ(١٧) لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.
ورواه عبد الله بن أحمد من طرق، عن داود، به(١٨). وروى الترمذي، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال : نهي رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله :﴿لا يَحِلُّ (١٩) لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، فأحل الله فتياتكم المؤمنات ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، وحرم كل ذات دين غير الإسلام، ثم قال :﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ و قال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾(٢٠) إلى قوله :﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء(٢١).
وقال مجاهد :﴿لا يَحِلُّ (٢٢) لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي : من بعد ما سمى لك، لا(٢٣) مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة.
وقال أبو صالح :﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾(٢٤) : أمر ألا يتزوج أعرابية ولا غربية(٢٥)، ويتزوج بعد من نساء تهامة، وما شاء من بنات العم والعمة، والخال والخالة، إن شاء ثلاثمائة.
وقال عكرمة :﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾(٢٦) أي : التي سمى الله.
واختار ابن جرير، رحمه الله، أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته وكن تسعا. وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف ؛ فإن كثيرا منهم روي عنه هذا وهذا، ولا منافاة، والله أعلم.
ثم أورد ابن جرير على نفسه ما روي أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها، وعزم على فراق سودة حتى وهبته يومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله :﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، وهذا الذي قاله من أن هذا كان قبل نزول الآية صحيح، ولكن لا يحتاج إلى ذلك ؛ فإن الآية إنما دلت على أنه لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته، وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال، والله أعلم.
فأما قَضية سَوْدَة ففي الصحيح عن عائشة، رضي الله عنها، وهي سبب نزول قوله تعالى :﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا [ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ (٢٧) ]﴾ الآية [النساء: ١٢٨] (٢٨).
وأما قضية(٢٩) حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه، من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حي(٣٠) عن سلمة أن بن كُهَيْل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر ؛ أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها. وهذا إسناد(٣١) قوي(٣٢).
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن الأعمش، عن أبي صالح (٣٣)، عن ابن عمر قال : دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال : ما يبكيك ؟ لعل رسول الله ﷺ طلقك ؟ إنه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي ؛ والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدا. ورجاله على شرط الصحيحين(٣٤).
وقوله :﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، فنهاه عن الزيادة عليهن، أو طلاق واحدة منهن واستبدال غيرها بها إلا ما ملكت يمينه(٣٥).
وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا مناسبا ذكَرُه هاهنا، فقال :
حدثنا إبراهيم بن نصر، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله(٣٦) القرَشي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار(٣٧) عن أبي هُرَيرة، رضي الله عنه، قال : كان البَدلُ في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل : بادلني امرأتك وأبادلُك بامرأتي : أي : تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي. فأنزل الله :﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ قال : فدخل عيينة بن حصن(٣٨) على النبي ﷺ، وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله ﷺ :" فأين الاستئذان ؟ " فقال يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من مُضَر منذ أدركت. ثم قال : من هذه الحُمَيْراء إلى جنبك ؟ فقال رسول الله ﷺ :" هذه عائشة أم المؤمنين ". قال : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق(٣٩) ؟ قال :" يا عيينة إن الله قد حرم ذلك ". فلما أن خرج قالت عائشة : مَنْ هذا ؟ قال : هذا أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه ".
ثم قال البزار إسحاق(٤٠) بن عبد الله : لين الحديث جدا، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه، وبينا العلة فيه(٤١).
هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول(٤٢) عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال : وافقت ربي في ثلاث، فقلت : يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ؟ فأنزل الله :﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقلت : يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن ؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي ﷺ لما تمالأن عليه في الغيرة :﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، فنزلت كذلك(٤٣).
وفي رواية لمسلم ذكر أسارى بدر، وهي قضية رابعة.
وقد قال(٤٤) البخاري : حدثنا مُسَدَّد، عن يحيى، عن حُمَيْد، أن أنس بن مالك قال : قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب ؟ فأنزل الله آية الحجاب(٤٥).
وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، في قول قتادة والواقدي وغيرهما.
وزعم أبو عُبَيدة معمر بن المثنى، وخليفة بن خياط : أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله أعلم.
١ - زيادة من ت، أ..
٢ - في ت: "الحرج"..
٣ - في أ: "التزويج"..
٤ - في ف: "لرسول الله"..
٥ - في ت: "روى"..
٦ - المسند (٦/٤١)..
٧ - في أ: "عن عمير بن عبيد"..
٨ - المسند (٦/١٨٠) وسنن الترمذي برقم (٣٢١٦) وسنن النسائي (٦/٥٦)..
٩ - في ت: "وروى"..
١٠ - في أ: "الخزاعي"..
١١ - في أ: "عبد الله"..
١٢ - في ت: "فالله"..
١٣ - في ت: "وبنات العمات"..
١٤ - في أ: "الخالة"..
١٥ - في ت: "فروى ابن جرير بإسناده عن رجل من الأنصار"..
١٦ - في ت، أ: "لا تحل"..
١٧ - في ت، أ: "لا تحل"..
١٨ - تفسير الطبري (٢٢/٢١) وزوائد المسند (٥/١٣٢)..
١٩ - في أ: "لا تحل"..
٢٠ - بعدها في أ: "مما أفاء الله عليك"..
٢١ - سنن الترمذي برقم (٣٢١٥) وقال: "هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث عبد الحميد بن بهرام، قال: سمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب"..
٢٢ - في أ: "لا تحل"..
٢٣ - في أ: "من"..
٢٤ - في أ: "لا تحل"..
٢٥ - في أ: "عربية"..
٢٦ - في أ: "لا يحل"..
٢٧ - زيادة من ف، أ..
٢٨ - انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ١٢٨ من سورة النساء..
٢٩ - في ت: "قصة"..
٣٠ - في أ: "يحيى".
٣١ - في ت: "إسناده"..
٣٢ - سنن أبي داود برقم (٢٢٨٣) وسنن النسائي (٦/٢١٣) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠١٦)..
٣٣ - في ت: "وروى الإمام الحافظ أبو يعلى بسنده"..
٣٤ - مسند أبي يعلى (١/١٦٠)..
٣٥ - في أ: "يمينك"..
٣٦ - في أ: "عبيد الله"..
٣٧ - في ت: "وروى البزار بإسناده"..
٣٨ - في أ: "عيينة الفزاري"..
٣٩ - في ت: "قال انزل لي عنها وأنا أنزل لك عن أحسن الخلق". وفي أ: "قال أنزل لك عن أحسن الخلق"..
٤٠ - في ت: "ثم قال البزار: في إسناده إسحاق"..
٤١ - مسند البزار برقم (٢٢٥١) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩٢): "وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك"..
٤٢ - في ت: "لقول"..
٤٣ صحيح البخاري برقم (٤٠٢)..
٤٤ - في ت: "وروى"..
٤٥ - صحيح مسلم برقم (٢٣٩٩)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى