تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
﴿ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ ناظرين إناه وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا وَلاَ مُسْتَئنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكَ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحِى مِنكُمْ واللهُ لاَ يَسْتَحِى مِنَ الحَقِّ﴾.
لما بين الله في الآيات السابقة آداب النبي ﷺ مع أزواجه قفّاه في هذه الآية بآداب الأمة معهن، وصدره بالإِشارة إلى قصة هي سبب نزول هذه الآية. وهي ما في « صحيح البخاري » وغيره عن أنس بن مالك قال : لما تزوج رسول الله ﷺ زينب ابنة جحش صنع طعاماً بخبز ولحم ودعا القوم فطعِموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيّأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام فلما قام قام مَن قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ليدخل فإذا القوم جلوس، فجعل النبي ﷺ يخرج ثم يرجع فانطلق إلى حجرة عائشة... فتقَرَّى حُجَرَ نسائه كلهن يسلّم عليهن ويسلمن عليه ويدعون له، ثم إنهم قاموا فانطلقتُ فجئت فأخبرتُ النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبتُ أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلو بيوت النبي﴾ إلى قوله :﴿من وراء حجاب﴾.
وفي حديث آخر في الصحيح عن أنس أيضاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له :« يا رسول الله يدخل عليك البَّرُ والفاجر فلو أمرتَ أمهاتِ المؤمنين بالحجاب » فأنزل الله آية الحجاب. وليس بين الخبرين تعارض لجواز أن يكون قول عمر كان قبل البناء بزينب بقليل ثم عقبته قصة وليمة زينب فنزلت الآية بإثرها.
وابتدىء شرع الحجاب بالنهي عن دخول بيوت النبي ﷺ إلا لطعام دعاهم إليه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام له مجلس يجلس في المسجد فمن كان له مهمّ عنده يأتيه هنالك.
وليس ذكر الدعوة إلى طعام تقييداً لإباحة دخول بيوت النبي ﷺ لا يدخلها إلا المدعو إلى طعام ولكنه مثال للدعوة وتخصيص بالذكر كما جرى في القضية التي هي سبب النزول فيلحق به كل دعوة تكون من النبي ﷺ وكل إذن منه بالدخول إلى بيته لغير قصد أن يطعم معه كما كان يقع ذلك كثيراً. ومن ذلك قصة أبي هريرة حين استقرأ من عمر آية من القرآن وهو يطمع أن يَدعوه عمر إلى الغدَاء ففتح عليه الآية ودخل فإذا رسول الله قائم على رأس أبي هريرة وقد عرف ما به فانطلق به إلى بيته وأمر له بعُسّ من لبن ثم ثاننٍ ثم ثالث، وإنما ذكر الطعام إدماجاً لتبيين آدابه، ولذلك ابتدىء بقوله :﴿غير ناظرين إناه﴾ مع أنه لم يقع مثله في قصة سبب النزول.
وقرأ الجمهور ﴿بيوت﴾ بكسر الباء. وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء، وقد تقدم في سورة النساء وغيرها.
و ﴿إناه﴾ بكسر الهمزة وبالقصر : إما مصدر أَنَى الشيءُ إذا حان، يقال : أنى يأنِي، قال تعالى :﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [الحديد: ١٦]. ومقلوبه : آن. وهو بمعناه. والمعنى : غير منتظرين حضور الطعام، أي غير سابقين إلى البيوت وقبْل تهيئته.
والاستثناء في ﴿إلا أن يؤذن لكم﴾ استثناء من عموم الأحوال التي يقتضيها الدخول المنهي عنه، أي إلا حال أن يؤذن لكم.
وضُمِّن ﴿يؤذن﴾ معنى تُدعون فعدي ب { إلى فكأنه قيل : إلا أن تُدعَوْا إلى طعام فيؤذن لكم لأن الطفيلي قد يؤذن له إذا استأذن وهو غير مدعو فهي حالة غير مقصودة من الكلام.
فالكلام متضمن شرطين هما : الدعوة، والإِذن، فإن الدعوة قد تتقدم على الإذن وقد يقترنان كما في حديث أنس بن مالك.
و﴿غير ناظرين﴾ حال من ضمير ﴿لكم﴾ فهو قيد في متعلق المستثنى فيكون قيداً في قيدٍ فصارت القيود المشروطة ثلاثة.
و ﴿ناظرين﴾ اسم فاعل من نظَر بمعنى انتظر، كقوله تعالى :﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾ [يونس: ١٠٢] الآية.
ومعنى ذلك : لا تحضروا البيوت للطعام قبل تهيئة الطعام للتناول فتقعدوا تنتظرون نُضجه. وعن ابن عباس نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي فيدخلون قبل أن يُدرك الطعام فيقعدون إلى أن يُدرك ثم يأكلون ولا يخرجون ا ه. وقد يقتضي أن ذلك تكرر قبل قضية النَفر الذين حضروا وليمة البناء بزينب فتكون تلك القضية خاتمة القضايا، فكُني بالانتظار عن مبادرة الحضور قبل إبان الأكل. ونكتة هذه الكناية تشويه السبق بالحضور بجعله نهماً وجشعاً وإن كانوا قد يحضرون لغير ذلك، وبهذا تعلم أن ليس النهي متوجهاً إلى صريح الانتظار.
وموقع الاستدراك لرفع توهم أن التأخر عن إبان الطعام أفضل فأرشد الناس إلى أن تأخر الحضور عن إبان الطعام لا ينبغي بل التأخر ليس من الأدب لأنه يجعل صاحب الطعام في انتظار، وكذلك البقاء بعد انقضاء الطعام فإنه تجاوز لحد الدعوة لأن الدعوة لحضور شيء تقتضي مفارقة المكان عند انتهائه لأن تقيد الدعوة بالغرض المخصوص يتضمن تحديدها بانتهاء ما دُعي لأجله، وكذلك الشأن في كل دخول لغرض من مشاورة أو محادثة أو سمَر أو نحو ذلك، وكل ذلك يتحدد بالعرف وما لا يَثقل على صاحب المحل، فإن كان محل لا يختص به أحد كدار الشورى والنادي فلا تحديد فيه.
و ﴿طعمتم﴾ معناه أكلتم، يقال : طعم فلان فهو طاعم، إذا أكل.
والانتشار : افتعال من النشر، وهو إبداء ما كان مطوياً، أطلق على الخروج مجازاً وتقدم في قوله :
﴿وجعل النهار نُشوراً﴾ في سورة الفرقان ( ٤٧ ).
والواو في ﴿ولا مستأنسين﴾ عطف على ﴿ناظرين﴾ وما بينهما من الاستدراك وما تفرع عليه اعتراض بين المتعاطفين. وزيادة حرف النفي قبل ﴿مستأنسين﴾ لتأكيد النفي كما هو الغالب في العطف على المنفي وفي تصدير المنفي نحو قوله :﴿فلا وربك يؤمنون﴾ الآية [النساء: ٦٥] وقوله :﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ [الحجرات: ١١] ثم قوله :﴿ولا نساء من نساء﴾ [الحجرات: ١١].
والاستئناس : طلب الأنس مع الغير. واللام في ﴿لحديث﴾ للعلة، أي ولا مستأنسين لأجل حديث يجري بينكم.
والحديث : الخبر عن أمر حدث، فهو في الأصل صفة حُذف موصوفها ثم غلبت على معنى الموصوف فصار بمعنى الإِخبار عن أمر حدث، وتُوسّع فيه فصار الإِخبار عن شيء ولو كان أمراً قد مضى. ومنه سمي ما يروى عن النبي ﷺ حديثاً كما يسمى خبراً، ثم توسع فيه فصار يطلق على كل كلام يجري بين الجلساء في جد أو فكاهة، ومنه قولهم : حديثُ خرافة، وقول كثير :
أخذنا باكتراث الأحاديث تبييناً *** البيت
واستئناس الحديث : تسمُّعه والعناية بالإِصغاء إليه، قال النابغة :
أي كأني راكب ثوراً وحشياً منفرداً تسمَّع صوت الصائد فأسرع الهروب.
وإضافة ﴿بيوت النبي﴾ على معنى لام الملك لأن تلك البيوت ملك له ملكها بالعطية من الذين كانت ساحة المسجد ملكاً لهم من الأنصار، وبالفيء لقبور المشركين التي كانت ثمة، فإن المدينة فتحت بكلمة الإِسلام فأصبحت داراً للمسلمين. ومصير تلك البيوت بعد وفاة النبي ﷺ مصير تركته كلها فإنه لا يورث وما تركه ينتفع منه أزواجه وآله بكفايتهم حياتهم ثم يرجع ذلك للمسلمين كما قضى به عمر بين علي والعباس فيما كان للنبيء ﷺ من فَدَك ونخللِ بني النضير، فكان لأزواج النبي ﷺ حق السكنى في بيوتهن بعده حتى توفّاهن الله من عند آخرتهن، فلذلك أدخلها الخلفاء في المسجد حين توسعته في زمن الوليد بن عبد الملك وأمير المدينة يومئذٍ عمر بن عبد العزيز. ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولم يُعطَ ورثتُهن شيئاً ولا سألوه. وإضافتها إلى ضميرهن في قوله :﴿ما يتلى في بيوتكن﴾ [الأحزاب: ٣٤] على معنى لام الاختصاص لا لام الملك.
قال حماد بن زيد وإسماعيل بن أبي حكيم : هذه الآية أدبٌ أدَّبَ اللَّهُ به الثقلاء، وقال ابنُ أبي عائشة : حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم.
ومعنى الثقل فيه هو إدخال أحَدٍ القلقَ والغمّ على غيره من جراء عمل لفائدة العامل أو لعدم الشعور بما يلحق غيره من الحرج من جراء ذلك العمل. وهو من مساوىء الخلق لأنه إن كان عن عمد كان ضراً بالناس وهو منهي عنه لأنه من الأذى وهو ذريعة للتباغض عند نفاد صبر المضرور، فإن النفوس متفاوتة في مقدار تحمل الأذى، ولأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه فعليه إذا أحس بأن قوله أو فعله يُخدل الغم على غيره أن يكف عن ذلك ولو كان يجتني منه منفعة لنفسه إذ لا يُضر بأحد لينتفع غيره إلا أن يكون لمن يأتي بالعمل حق على الآخر فإن له طلبه مع أنه مأمور بحسن التقاضي، وإن كان إدخاله الغم على غيره عن غباوة وقلة تفطن له فإنه مذموم في ذاته وهو يصل إلى حدّ يكون الشعور به بديهياً.
وللحكماء والشعراء أقوال كثيرة في الثقلاء طفحت بها كتب أدب الأخلاق.
ومعاملة الناس النبي ﷺ بهذا الخلق أشد بعداً عن الأدب لأن للنبيء ﷺ أوقاتاً لا تخلو ساعة منها عن الاشتغال بصلاح الأمة ويجب أن لا يَشغل أحد أوقاتَه إلا بإذنه، ولذلك قال تعالى :﴿إلا أن يؤذن لكم﴾.
والأمر في قوله :﴿فادخلوا﴾ للندب لأن إجابة الدعوة إلى الوليمة سنة، وتقييد النهي بقوله :﴿غير ناظرين إناه﴾ للتنزيه لأن الحضور قبل تهيّؤ الطعام غير مقتضى للدعوة ولا يتضمنه الإِذن فهو تطفل.
والأمر في قوله :﴿فانتشروا﴾ للوجوب لأن دخول المنزل بغير إذن حرام، وإنما جاز بمقتضى الدعوة للأكل فهو إذن مقيد المعنى بالغرض المأذوننِ لأجله فإذا انقضى السبب المبيح للدخول عاد تحريم الدخول إلى أصله ؛ إلا أنه نظري قد يُغفل عنه لأن أصله مأذون فيه والمأذون فيه شرعاً لا يتقيّد بالسلامة إلا إذا تجاوز الحد المعروف تجاوزاً بيناً. وعطف ﴿ولا مستأنسين لحديث﴾ راجع إلى هذا الأمر بقوله :﴿فانتشروا﴾ فلذلك ذكر عقبه فإن استدامة المكث في معنى الدخول، فذكر بإثره وحصل تفنن في الكلام.
وفي هذه الآية دليل على أن طعام الوليمة وطعام الضيافة ملك للمتضيف وليس ملكاً للمدعوين ولا للأضياف لأنهم إنما أذن لهم في الأكل منه خاصة ولم يملكوه فلذلك لا يجوز لأحد رفع شيء من ذلك الطعام معه.
وجملة ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم﴾ استئناف ابتدائي للتحذير ودفع الاغترار بسكوت النبي ﷺ أن يحسبوه رضي بما فعلوا. فمناط التحذير قوله :﴿ذلكم كان يؤذي النبي﴾ فإن أذى النبي ﷺ مقرر في نفوسهم أنه عمل مذموم لأن النبي عليه الصلاة والسلام أعز خلق في نفوس المؤمنين وذلك يقتضي التحرز مما يؤذيه أدنى أذى. ومناط دفع الاغترار قوله :﴿فيستحيي منكم﴾ فإن السكوت قد يظنه الناس رضى وإذناً وربما تطرق إلى أذهان بعضهم أن جلوسهم لو كان محظوراً لما سكت عليه النبي ﷺ فأرشدهم الله إلى أن السكوت الناشىء عن سبببٍ هو سكوت لا دلالة له على الرضى وأنه إنما سكت حياء من مباشرتهم بالإخراج فهو استحياء خاص من عمل خاص.
وإنما كان ذلك مؤذياً النبي ﷺ لأن فيه ما يحول بينه وبين التفرغ لشؤون النبوءة من تلقي الوحي أو العبادة أو تدبير أمر الأمة أو التأخر عن الجلو
لما بين الله في الآيات السابقة آداب النبي ﷺ مع أزواجه قفّاه في هذه الآية بآداب الأمة معهن، وصدره بالإِشارة إلى قصة هي سبب نزول هذه الآية. وهي ما في « صحيح البخاري » وغيره عن أنس بن مالك قال : لما تزوج رسول الله ﷺ زينب ابنة جحش صنع طعاماً بخبز ولحم ودعا القوم فطعِموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيّأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام فلما قام قام مَن قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ليدخل فإذا القوم جلوس، فجعل النبي ﷺ يخرج ثم يرجع فانطلق إلى حجرة عائشة... فتقَرَّى حُجَرَ نسائه كلهن يسلّم عليهن ويسلمن عليه ويدعون له، ثم إنهم قاموا فانطلقتُ فجئت فأخبرتُ النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبتُ أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله :﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلو بيوت النبي﴾ إلى قوله :﴿من وراء حجاب﴾.
وفي حديث آخر في الصحيح عن أنس أيضاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له :« يا رسول الله يدخل عليك البَّرُ والفاجر فلو أمرتَ أمهاتِ المؤمنين بالحجاب » فأنزل الله آية الحجاب. وليس بين الخبرين تعارض لجواز أن يكون قول عمر كان قبل البناء بزينب بقليل ثم عقبته قصة وليمة زينب فنزلت الآية بإثرها.
وابتدىء شرع الحجاب بالنهي عن دخول بيوت النبي ﷺ إلا لطعام دعاهم إليه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام له مجلس يجلس في المسجد فمن كان له مهمّ عنده يأتيه هنالك.
وليس ذكر الدعوة إلى طعام تقييداً لإباحة دخول بيوت النبي ﷺ لا يدخلها إلا المدعو إلى طعام ولكنه مثال للدعوة وتخصيص بالذكر كما جرى في القضية التي هي سبب النزول فيلحق به كل دعوة تكون من النبي ﷺ وكل إذن منه بالدخول إلى بيته لغير قصد أن يطعم معه كما كان يقع ذلك كثيراً. ومن ذلك قصة أبي هريرة حين استقرأ من عمر آية من القرآن وهو يطمع أن يَدعوه عمر إلى الغدَاء ففتح عليه الآية ودخل فإذا رسول الله قائم على رأس أبي هريرة وقد عرف ما به فانطلق به إلى بيته وأمر له بعُسّ من لبن ثم ثاننٍ ثم ثالث، وإنما ذكر الطعام إدماجاً لتبيين آدابه، ولذلك ابتدىء بقوله :﴿غير ناظرين إناه﴾ مع أنه لم يقع مثله في قصة سبب النزول.
وقرأ الجمهور ﴿بيوت﴾ بكسر الباء. وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر بضم الباء، وقد تقدم في سورة النساء وغيرها.
و ﴿إناه﴾ بكسر الهمزة وبالقصر : إما مصدر أَنَى الشيءُ إذا حان، يقال : أنى يأنِي، قال تعالى :﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [الحديد: ١٦]. ومقلوبه : آن. وهو بمعناه. والمعنى : غير منتظرين حضور الطعام، أي غير سابقين إلى البيوت وقبْل تهيئته.
والاستثناء في ﴿إلا أن يؤذن لكم﴾ استثناء من عموم الأحوال التي يقتضيها الدخول المنهي عنه، أي إلا حال أن يؤذن لكم.
وضُمِّن ﴿يؤذن﴾ معنى تُدعون فعدي ب { إلى فكأنه قيل : إلا أن تُدعَوْا إلى طعام فيؤذن لكم لأن الطفيلي قد يؤذن له إذا استأذن وهو غير مدعو فهي حالة غير مقصودة من الكلام.
فالكلام متضمن شرطين هما : الدعوة، والإِذن، فإن الدعوة قد تتقدم على الإذن وقد يقترنان كما في حديث أنس بن مالك.
و﴿غير ناظرين﴾ حال من ضمير ﴿لكم﴾ فهو قيد في متعلق المستثنى فيكون قيداً في قيدٍ فصارت القيود المشروطة ثلاثة.
و ﴿ناظرين﴾ اسم فاعل من نظَر بمعنى انتظر، كقوله تعالى :﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾ [يونس: ١٠٢] الآية.
ومعنى ذلك : لا تحضروا البيوت للطعام قبل تهيئة الطعام للتناول فتقعدوا تنتظرون نُضجه. وعن ابن عباس نزلت في ناس من المؤمنين كانوا يتحينون طعام النبي فيدخلون قبل أن يُدرك الطعام فيقعدون إلى أن يُدرك ثم يأكلون ولا يخرجون ا ه. وقد يقتضي أن ذلك تكرر قبل قضية النَفر الذين حضروا وليمة البناء بزينب فتكون تلك القضية خاتمة القضايا، فكُني بالانتظار عن مبادرة الحضور قبل إبان الأكل. ونكتة هذه الكناية تشويه السبق بالحضور بجعله نهماً وجشعاً وإن كانوا قد يحضرون لغير ذلك، وبهذا تعلم أن ليس النهي متوجهاً إلى صريح الانتظار.
وموقع الاستدراك لرفع توهم أن التأخر عن إبان الطعام أفضل فأرشد الناس إلى أن تأخر الحضور عن إبان الطعام لا ينبغي بل التأخر ليس من الأدب لأنه يجعل صاحب الطعام في انتظار، وكذلك البقاء بعد انقضاء الطعام فإنه تجاوز لحد الدعوة لأن الدعوة لحضور شيء تقتضي مفارقة المكان عند انتهائه لأن تقيد الدعوة بالغرض المخصوص يتضمن تحديدها بانتهاء ما دُعي لأجله، وكذلك الشأن في كل دخول لغرض من مشاورة أو محادثة أو سمَر أو نحو ذلك، وكل ذلك يتحدد بالعرف وما لا يَثقل على صاحب المحل، فإن كان محل لا يختص به أحد كدار الشورى والنادي فلا تحديد فيه.
و ﴿طعمتم﴾ معناه أكلتم، يقال : طعم فلان فهو طاعم، إذا أكل.
والانتشار : افتعال من النشر، وهو إبداء ما كان مطوياً، أطلق على الخروج مجازاً وتقدم في قوله :
﴿وجعل النهار نُشوراً﴾ في سورة الفرقان ( ٤٧ ).
والواو في ﴿ولا مستأنسين﴾ عطف على ﴿ناظرين﴾ وما بينهما من الاستدراك وما تفرع عليه اعتراض بين المتعاطفين. وزيادة حرف النفي قبل ﴿مستأنسين﴾ لتأكيد النفي كما هو الغالب في العطف على المنفي وفي تصدير المنفي نحو قوله :﴿فلا وربك يؤمنون﴾ الآية [النساء: ٦٥] وقوله :﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ [الحجرات: ١١] ثم قوله :﴿ولا نساء من نساء﴾ [الحجرات: ١١].
والاستئناس : طلب الأنس مع الغير. واللام في ﴿لحديث﴾ للعلة، أي ولا مستأنسين لأجل حديث يجري بينكم.
والحديث : الخبر عن أمر حدث، فهو في الأصل صفة حُذف موصوفها ثم غلبت على معنى الموصوف فصار بمعنى الإِخبار عن أمر حدث، وتُوسّع فيه فصار الإِخبار عن شيء ولو كان أمراً قد مضى. ومنه سمي ما يروى عن النبي ﷺ حديثاً كما يسمى خبراً، ثم توسع فيه فصار يطلق على كل كلام يجري بين الجلساء في جد أو فكاهة، ومنه قولهم : حديثُ خرافة، وقول كثير :
أخذنا باكتراث الأحاديث تبييناً *** البيت
واستئناس الحديث : تسمُّعه والعناية بالإِصغاء إليه، قال النابغة :
| كأن رحلي وقد زال النهار بنا | يوم الجليل على مُستأنس وَحَدِ |
وإضافة ﴿بيوت النبي﴾ على معنى لام الملك لأن تلك البيوت ملك له ملكها بالعطية من الذين كانت ساحة المسجد ملكاً لهم من الأنصار، وبالفيء لقبور المشركين التي كانت ثمة، فإن المدينة فتحت بكلمة الإِسلام فأصبحت داراً للمسلمين. ومصير تلك البيوت بعد وفاة النبي ﷺ مصير تركته كلها فإنه لا يورث وما تركه ينتفع منه أزواجه وآله بكفايتهم حياتهم ثم يرجع ذلك للمسلمين كما قضى به عمر بين علي والعباس فيما كان للنبيء ﷺ من فَدَك ونخللِ بني النضير، فكان لأزواج النبي ﷺ حق السكنى في بيوتهن بعده حتى توفّاهن الله من عند آخرتهن، فلذلك أدخلها الخلفاء في المسجد حين توسعته في زمن الوليد بن عبد الملك وأمير المدينة يومئذٍ عمر بن عبد العزيز. ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ولم يُعطَ ورثتُهن شيئاً ولا سألوه. وإضافتها إلى ضميرهن في قوله :﴿ما يتلى في بيوتكن﴾ [الأحزاب: ٣٤] على معنى لام الاختصاص لا لام الملك.
قال حماد بن زيد وإسماعيل بن أبي حكيم : هذه الآية أدبٌ أدَّبَ اللَّهُ به الثقلاء، وقال ابنُ أبي عائشة : حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم.
ومعنى الثقل فيه هو إدخال أحَدٍ القلقَ والغمّ على غيره من جراء عمل لفائدة العامل أو لعدم الشعور بما يلحق غيره من الحرج من جراء ذلك العمل. وهو من مساوىء الخلق لأنه إن كان عن عمد كان ضراً بالناس وهو منهي عنه لأنه من الأذى وهو ذريعة للتباغض عند نفاد صبر المضرور، فإن النفوس متفاوتة في مقدار تحمل الأذى، ولأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه فعليه إذا أحس بأن قوله أو فعله يُخدل الغم على غيره أن يكف عن ذلك ولو كان يجتني منه منفعة لنفسه إذ لا يُضر بأحد لينتفع غيره إلا أن يكون لمن يأتي بالعمل حق على الآخر فإن له طلبه مع أنه مأمور بحسن التقاضي، وإن كان إدخاله الغم على غيره عن غباوة وقلة تفطن له فإنه مذموم في ذاته وهو يصل إلى حدّ يكون الشعور به بديهياً.
وللحكماء والشعراء أقوال كثيرة في الثقلاء طفحت بها كتب أدب الأخلاق.
ومعاملة الناس النبي ﷺ بهذا الخلق أشد بعداً عن الأدب لأن للنبيء ﷺ أوقاتاً لا تخلو ساعة منها عن الاشتغال بصلاح الأمة ويجب أن لا يَشغل أحد أوقاتَه إلا بإذنه، ولذلك قال تعالى :﴿إلا أن يؤذن لكم﴾.
والأمر في قوله :﴿فادخلوا﴾ للندب لأن إجابة الدعوة إلى الوليمة سنة، وتقييد النهي بقوله :﴿غير ناظرين إناه﴾ للتنزيه لأن الحضور قبل تهيّؤ الطعام غير مقتضى للدعوة ولا يتضمنه الإِذن فهو تطفل.
والأمر في قوله :﴿فانتشروا﴾ للوجوب لأن دخول المنزل بغير إذن حرام، وإنما جاز بمقتضى الدعوة للأكل فهو إذن مقيد المعنى بالغرض المأذوننِ لأجله فإذا انقضى السبب المبيح للدخول عاد تحريم الدخول إلى أصله ؛ إلا أنه نظري قد يُغفل عنه لأن أصله مأذون فيه والمأذون فيه شرعاً لا يتقيّد بالسلامة إلا إذا تجاوز الحد المعروف تجاوزاً بيناً. وعطف ﴿ولا مستأنسين لحديث﴾ راجع إلى هذا الأمر بقوله :﴿فانتشروا﴾ فلذلك ذكر عقبه فإن استدامة المكث في معنى الدخول، فذكر بإثره وحصل تفنن في الكلام.
وفي هذه الآية دليل على أن طعام الوليمة وطعام الضيافة ملك للمتضيف وليس ملكاً للمدعوين ولا للأضياف لأنهم إنما أذن لهم في الأكل منه خاصة ولم يملكوه فلذلك لا يجوز لأحد رفع شيء من ذلك الطعام معه.
وجملة ﴿إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم﴾ استئناف ابتدائي للتحذير ودفع الاغترار بسكوت النبي ﷺ أن يحسبوه رضي بما فعلوا. فمناط التحذير قوله :﴿ذلكم كان يؤذي النبي﴾ فإن أذى النبي ﷺ مقرر في نفوسهم أنه عمل مذموم لأن النبي عليه الصلاة والسلام أعز خلق في نفوس المؤمنين وذلك يقتضي التحرز مما يؤذيه أدنى أذى. ومناط دفع الاغترار قوله :﴿فيستحيي منكم﴾ فإن السكوت قد يظنه الناس رضى وإذناً وربما تطرق إلى أذهان بعضهم أن جلوسهم لو كان محظوراً لما سكت عليه النبي ﷺ فأرشدهم الله إلى أن السكوت الناشىء عن سبببٍ هو سكوت لا دلالة له على الرضى وأنه إنما سكت حياء من مباشرتهم بالإخراج فهو استحياء خاص من عمل خاص.
وإنما كان ذلك مؤذياً النبي ﷺ لأن فيه ما يحول بينه وبين التفرغ لشؤون النبوءة من تلقي الوحي أو العبادة أو تدبير أمر الأمة أو التأخر عن الجلو