التفسير البسيط — الواحدي
عن الكتاب
قال مقاتل: ثم حذر النبي -صلى الله عليه وسلم-[إن ركب] (١) في أمرهن ما لا ينبغي، وذلك قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من العمل ﴿رَقِيبًا﴾ (٢) حفيظًا.
٥٣ - قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بهذه الآية، إنه الحجاب، أصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عروسًا بزينب بنت جحش، ودعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي وهي منهم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأطالوا المكث، وجعلوا يتحدثون، وجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج ثم يرجع وهم قعود، فنزلت هذه الآية. قال: فقام القوم وضرب الحجاب (٣).
﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال الزجاج: (موضع أن نصب المعنى إلا بأن يؤذن أو لا يؤذن لكم) (٤) ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ أي: إلا أن تدعوا إلى طعام، ومعنى ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾: يدعوا، ويجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، فتقدير لا تدخلوا بيوت النبي إلى طعام إلا أن يؤذن لكم.
وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ قال أبو إسحاق: (غير منصوبة على الحال، المعنى: إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين) (٥) ﴿إِنَاهُ﴾ أي: نضجه وإدراكه
٥٣ - قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بهذه الآية، إنه الحجاب، أصبح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عروسًا بزينب بنت جحش، ودعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي وهي منهم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأطالوا المكث، وجعلوا يتحدثون، وجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج ثم يرجع وهم قعود، فنزلت هذه الآية. قال: فقام القوم وضرب الحجاب (٣).
﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال الزجاج: (موضع أن نصب المعنى إلا بأن يؤذن أو لا يؤذن لكم) (٤) ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ أي: إلا أن تدعوا إلى طعام، ومعنى ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾: يدعوا، ويجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، فتقدير لا تدخلوا بيوت النبي إلى طعام إلا أن يؤذن لكم.
وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ قال أبو إسحاق: (غير منصوبة على الحال، المعنى: إلا أن يؤذن لكم غير منتظرين) (٥) ﴿إِنَاهُ﴾ أي: نضجه وإدراكه
(١) ما بين المعقوفين غير واضح في جميع النسخ، والتصحيح من "تفسير مقاتل".
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ٩٤ ب.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ٤/ ١٤٩٩ رقم (٤٥١٣)، ومسلم في النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب ٢/ ١٠٤٨ رقم (١٤٢٨) كلاهما عن أنس.
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٣٤.
(٥) المصدر السابق.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ٩٤ ب.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ٤/ ١٤٩٩ رقم (٤٥١٣)، ومسلم في النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب ٢/ ١٠٤٨ رقم (١٤٢٨) كلاهما عن أنس.
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٣٤.
(٥) المصدر السابق.
وبلوغه. قال المفسرون (١). قال مجاهد: غير [متحينين] (٢) نضجه (٣). المعنى: أنهم كانوا يدخلون بيته فيجلسون منتظرين إدراك الطعام فنهوا عن ذلك، والتقدير: إلا أن يؤذن، لكن وأنتم لا تنتظرون بلوغ الطعام. قال أبو عبيدة: ﴿إِنَاهُ﴾ أي: إدراكه، يقال أنى يأني إدراك أنا كما ترى (٤)، وأنشد:
قال الأزهري ومن هذا قوله: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، وهو الذي قد بلغ غاية الحرارة. وكذلك قوله: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦]، وهو أن يأني (٦). وقوله: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ قال مجاهد: أي بعد أن تأكلوا (٧).
قال مقاتل: كانوا يجلسون عند النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل الطعام وبعد الطعام
| تمخضت المنون له بيوم | أنى ولكل حاملة تمام (٥) |
قال مقاتل: كانوا يجلسون عند النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل الطعام وبعد الطعام
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٢٢/ ٣٤، "تفسير الماوردي" ٤/ ٤١٨، "تفسير زاد المسير" ٦/ ٤١٤ - ٤١٥.
(٢) غير واضحة في جميع النسخ، والتصحيح من "تفسير مجاهد" ص ٥٢٠.
(٣) انظر: "تفسير مجاهد" ص ٥٢٠.
(٤) هكذا في النسخ! والذي في"مجاز القرآن لأبي عبيدة" ٢/ ١٤٠: أي: إدراكه وبلوغه، ويقال: أني لك أن تفعل يأني أنيًا، والاسم إني وأني: أبلغ أدرك.
(٥) البيت من الوافر، وهو للنابغة الذبياني في "ديوانه" ص ١٠١ ضمن أبيات قالها حين عاد إلى النعمان فألفاه عليلا، "جمهرة أشعار العرب" ١/ ١٩٩.
والشاهد فيه قوله "حاملة" حيث جاء بهذا الوصف متصلاً بتاء التأنيث مع أنه خاص بالإناث لا يوسف به غيرهن، وذلك أنه جعل وصفًا جاريًا على الفعل.
(٦) "تهذيب اللغة" ١٥/ ٥٥٣ (أنى).
(٧) انظر: "تفسير مجاهد" ص ٥٢٠.
(٢) غير واضحة في جميع النسخ، والتصحيح من "تفسير مجاهد" ص ٥٢٠.
(٣) انظر: "تفسير مجاهد" ص ٥٢٠.
(٤) هكذا في النسخ! والذي في"مجاز القرآن لأبي عبيدة" ٢/ ١٤٠: أي: إدراكه وبلوغه، ويقال: أني لك أن تفعل يأني أنيًا، والاسم إني وأني: أبلغ أدرك.
(٥) البيت من الوافر، وهو للنابغة الذبياني في "ديوانه" ص ١٠١ ضمن أبيات قالها حين عاد إلى النعمان فألفاه عليلا، "جمهرة أشعار العرب" ١/ ١٩٩.
والشاهد فيه قوله "حاملة" حيث جاء بهذا الوصف متصلاً بتاء التأنيث مع أنه خاص بالإناث لا يوسف به غيرهن، وذلك أنه جعل وصفًا جاريًا على الفعل.
(٦) "تهذيب اللغة" ١٥/ ٥٥٣ (أنى).
(٧) انظر: "تفسير مجاهد" ص ٥٢٠.
يتحدثون عنده طويلًا (١)، وكان يؤذيه ذلك ويستحي أن يقول لهم قوموا، فذلك قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ يعني: دخول بيته بغير إذن والقعود؛ لانتظار الطعام يؤدي النبي -صلى الله عليه وسلم- فيستحي منكم أن يخرجكم منها، ومعنى مستأنسين لحديث: مستأنسين له، والاستئناس هو التأنس، ويقال: إذا جاء الليل استأنس كل وحشي (٢).
قال أبو إسحاق: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحتمل إطالتهم كرمًا منه ويصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب فصار أدبًا لهم ولمن بعدهم) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، معناه: لا يستحيي أن يبين لكم ما هو الحق وذكرنا معنى استحياء الله -عز وجل- عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة: ٢٦]
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فنزل الأمر بالاستتار. قال ابن عباس: وذلك (٤) أن عمر -رضي الله عنه- كان عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ظلمة البيت فوافقت يده يد امرأة من أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال والله لو أطاعني رسول الله لضرب عليكن الحجاب فأنزل الله هذه الآية (٥). وقال أنس: قال عمر: يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ والفاجر
قال أبو إسحاق: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحتمل إطالتهم كرمًا منه ويصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب فصار أدبًا لهم ولمن بعدهم) (٣).
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، معناه: لا يستحيي أن يبين لكم ما هو الحق وذكرنا معنى استحياء الله -عز وجل- عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾ [البقرة: ٢٦]
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فنزل الأمر بالاستتار. قال ابن عباس: وذلك (٤) أن عمر -رضي الله عنه- كان عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ظلمة البيت فوافقت يده يد امرأة من أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال والله لو أطاعني رسول الله لضرب عليكن الحجاب فأنزل الله هذه الآية (٥). وقال أنس: قال عمر: يا رسول الله، يدخل عليك البرُّ والفاجر
(١) انظر: "تفسير مقاتل" ٩٤ ب.
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" ١٣/ ٨٧ (أنس)، "اللسان" ٦/ ١٥ (أنس).
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٣٥.
(٤) في (ب): وذلك أن الله تعالى عمر -رضي الله عنه-، وهو خطأ.
(٥) انظر: "تفسير الماوردي" ٤/ ٤١٩، "مجمع البيان" ٨/ ٥٧٦.
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" ١٣/ ٨٧ (أنس)، "اللسان" ٦/ ١٥ (أنس).
(٣) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٣٥.
(٤) في (ب): وذلك أن الله تعالى عمر -رضي الله عنه-، وهو خطأ.
(٥) انظر: "تفسير الماوردي" ٤/ ٤١٩، "مجمع البيان" ٨/ ٥٧٦.
فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت آية الحجاب (١).
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: سؤالكم إياهن المتاع من وراء الحجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ومن الريبة ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء (٢).
قال أبو عبيدة: العرب (٣) يدخلون كان يؤكدون بها الكلام وهو مستغنى عنه وأنشد الفرزدق:
فجعلوا كان لغوًا (٥). قال مقاتل بن حيان: بلغنا أن رجلاً من قريش هوى أن يتزوج عائشة من بعد النبي فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فشق ذلك عليه، فأنرل الله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (٦) وقال عطاء عن ابن عباس: كان رجل من سادة قريش من
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: سؤالكم إياهن المتاع من وراء الحجاب ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ ومن الريبة ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: أي ما كان لكم أذاه في شيء من الأشياء (٢).
قال أبو عبيدة: العرب (٣) يدخلون كان يؤكدون بها الكلام وهو مستغنى عنه وأنشد الفرزدق:
| فكيف إذا رأيت ديار قوم | وجيران لنا كانوا كرام (٤) |
(١) انظر: "تفسير الطبري" ٢٢/ ٣٩، ورواه البخاري في الصلاة ١/ ١١١، وفي التفسير سورة البقرة ٦/ ٣٤، وسورة الأحزاب ٦/ ١٤٨، ورواه مسلم في فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر بن الخطاب ٧/ ١١٥.
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٣٥.
(٣) في (أ): (تدخل)، وهو خطأ.
(٤) البيت من الوافر وهو للفرزدق في "ديوانه" ٢/ ٢٩٠، "خزانة الأدب" ٩/ ٢١٧، ٢٢١، ٢٢٢، "الكتاب" ٢/ ١٥٣، "لسان العرب" ١٣/ ٣٧٠ (كنن).
والشاهد فيه قوله: "وجيران لنا كانوا كرام" حيث فصل بين الموصوف وهو قوله "وجيران" والصفة وهي قوله "كرام" بـ"كانوا" الزائدة.
(٥) "مجاز القرآن" ٢/ ١٤٠.
(٦) لم أقف على هذا القول عن مقاتل بن حيان وقد ذكره أكثر المفسرين فقد ذكره الطبري ٢٢/ ٤٠ عن ابن زيد، ومقاتل في "تفسيره" ٩٤ ب، والنحاس في "معاني القرآن" ٥/ ٣٧٣ عن قتادة، والطبرسي ٨/ ٥٧٤ عن أبي حمزة الثمالى.
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٣٥.
(٣) في (أ): (تدخل)، وهو خطأ.
(٤) البيت من الوافر وهو للفرزدق في "ديوانه" ٢/ ٢٩٠، "خزانة الأدب" ٩/ ٢١٧، ٢٢١، ٢٢٢، "الكتاب" ٢/ ١٥٣، "لسان العرب" ١٣/ ٣٧٠ (كنن).
والشاهد فيه قوله: "وجيران لنا كانوا كرام" حيث فصل بين الموصوف وهو قوله "وجيران" والصفة وهي قوله "كرام" بـ"كانوا" الزائدة.
(٥) "مجاز القرآن" ٢/ ١٤٠.
(٦) لم أقف على هذا القول عن مقاتل بن حيان وقد ذكره أكثر المفسرين فقد ذكره الطبري ٢٢/ ٤٠ عن ابن زيد، ومقاتل في "تفسيره" ٩٤ ب، والنحاس في "معاني القرآن" ٥/ ٣٧٣ عن قتادة، والطبرسي ٨/ ٥٧٤ عن أبي حمزة الثمالى.