البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
ثم ذكر أهل الغفلة والبعد، فقال :
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ * ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾.
يقول الحق جلّ جلاله :﴿إِن الذين يُؤذون اللهَ ورسولَه﴾ بارتكابهم ما يكرهانه من الكفر والمعاصي والبدع. وقال ابن عباس : هم اليهود والنصارى والمشركون. فقالت اليهود :﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقالت النصارى :﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ﴿إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. وقال المشركون : الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه. وقيل : يؤذونه : يُلحدون في أسمائه وصفاته. ويؤذون رسول الله، حين شُج وجهه، وكُسرت رباعيتُه، وقيل له : هو ساحر وشاعر ومجنون. أو : بترك سُنَّته ومخالفة شريعته. ويحتمل أن يكون المراد يؤذون رسولَ الله فقط بالتنقيص، أو بالتعرُّض لنسائه. وذكرُ اسم الله للتشريف. ﴿لعنَهُم اللهُ في الدنيا والآخرة﴾ أي : أبعدهم من رحمته في الدارين ﴿وأعدَّ لهم عذاباً مهيناً﴾ يُهينهم ويُخزيهم في النار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : إذاية الله ورسوله هي إذاية أوليائه، ونقله الثعلبي عن أهل المعاني، فقال : فأراد الله تعالى المبالغة في النهي عن أذى أوليائه، فجعل أذاهم أذاه. هـ. ويؤيده الحديث القدسي :" مَن آذى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة(١) "، أو كما سبحانه. وإذاية المؤمنين كثيرة، تكون باللسان وبغيره، وقد قالوا : البَر لا يؤذي الذر. ومن أركان التصوف : كف الأذى، وحمل الجفا، وشهود الصفا، ورمي الدنيا بالقفا. وبالله التوفيق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى