الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
ثم قال ما هو الحق وهدى إلى ما هو سبيل الحق، وهو قوله :﴿ادعوهم لآبَائِهِمْ﴾ وبين أن دعاءهم لآبائهم هو أدخل الأمرين في القسط والعدل، وفي فصل هذه الجمل ووصلها : من الحسن والفصاحة مالا يغني على عالم بطرق النظم. وقرأ قتادة :«وهو الذي يهدي السبيل ». وقيل : كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه جلد الرجل وظرفه : ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه، وكان ينسب إليه فيقال : فلان ابن فلان ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ﴾ لهم آباء تنسبونهم إليهم ﴿ف﴾ هم ﴿فإخوانكم فِى الدين﴾ وأولياؤكم في الدين فقولوا : هذا أخي وهذا مولاي، ويا أخي، ويا مولاي : يريد الأخوّة في الدين والولاية فيه ﴿مَّا تَعَمَّدَتْ﴾ في محل الجرّ عطفاً على ما أخطأتم.
ويجوز أن يكون مرتفعاً على الابتداء، والخبر محذوف تقديره : ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح. والمعنى : لا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين جاهلين قبل ورود النهي، ولكن الإثم فيما تعمدتموه بعد النهي. أو لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم يا بنيّ على سبيل الخطإ وسبق اللسان، ولكن إذا قلتموه متعمدين. ويجوز أن يراد العفو عن الخطإ دون العمد على طريق العموم، كقوله عليه الصلاة والسلام :« ما أخشَى عليكُم الخطأَ ولكنْ أخشَى عليْكُم العمدَ » وقوله عليه الصلاة والسلام :« وُضع عن أمّتي الخطأُ والنسيانْ وما أكرهُوا عليه » ثم تناول لعمومه خطأ التبني وعمده.
فإن قلت : فإذا وجد التبني فما حكمه ؟ قلت : إذا كان المتبني مجهول النسب وأصغر سناً من المتبنى ثبت نسبه منه، وإن كان عبداً له عتق مع ثبوت النسب، وإن كان لا يولد مثله لمثله لم يثبت النسب، ولكنه يعتق عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعند صاحبيه لا يعتق. وأما المعروف النسب فلا يثبت نسبه بالتبني وإن كان عبداً عتق ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى