المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
أمر الله تعالى في هذه الآية بدعاء الأدعياء إلى آبائهم للصلب فمن جهل ذلك فيه كان مولى وأخاً في الدين، فقال الناس زيد بن حارثة وسالم مولى أبي حذيفة إلى غير ذلك.
وذكر الطبري أن أبا بكرة قرأ هذه الآية ثم قال : أنا ممن لا يعرف أبوه فأنا أخوكم في الدين ومولاكم، قال الراوي : ولو علم والله أن أباه حماراً لا نتمى إليه(١).
قال الفقيه الإمام القاضي : ورجال الحديث يقولون في أبي بكرة نفيع بن الحارث، و ﴿أقسط﴾ معناه أعدل، وقال قتادة : بلغنا أن رسول الله ﷺ قال من ادعى إلى غير أبيه متعمداً حرم الله عليه الجنة(٢)، وقوله تعالى :﴿وليس عليكم جناح﴾ الآية رفع للحرج عمن وهم ونسي وأخطأ فجرى على العادة من نسبة زيد إلى محمد وغير ذلك مما يشبهه، وأبقى الجناح في التعمد مع النهي المنصوص، وقوله تعالى :﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ يريد لما مضى من فعلهم في ذلك، ثم هي صفتان لله تعالى تطرد في كل شيء، وقالت فرقة «خطأهم » فيما كان سلف من قولهم ذلك.
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا ضعيف لا يتصف ذلك بخطأ إلا بعد النهي وإنما «الخطأ » هنا بمعنى النسيان وما كان مقابل العمد، وحكى الطبري عن قتادة أنه قال :«الخطأ » الذي رفع الله تعالى فيه الجناح أن تعتقد في أحد أنه ابن فلان فتنسبه إليه وهو في الحقيقة ليس بابنه، والعمد هو أن تنسبه إلى فلان وأنت تدري أنه ابن غيره، والخطأ مرفوع عن هذه الأمة عقابه، وقد قال ﷺ :«رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه »(٣) وقال ﷺ :«ما أخشى عليكم النسيان. وإنما أخشى العمد »(٤).
١ الخبر في تفسير الطبري. وفي تقرير التهذيب:"أبو بكرة، بزيادة هاء، الثقفي، الصحابي، نُفيع بن الحارث"..
٢ أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، ولفظه كما في مسند أحمد(٥-٣٨)- عن أبي عثمان النهدي، قال: سمعت سعدا يقول: سمعتْ أذناي ووعى قلبي أن من ادّعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه-فالجنة عليه حرام، قال: فلقيت أبا بكرة فحدثته فقال: وأنا سَمعتْ أذناي ووعى قلبي من محمد صلى الله عليه وسلم..
٣ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما، واللفظ فيه:﴿وما استكرهوا عليه﴾ كما رواه السيوطي في الجامع الصغير، وقد رمز له السيوطي بالصحة..
٤ أخرجه أحمد في مسنده(٣-٣٠٨)، وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها، واللفظ كما ذكره السيوطي في الدر المنثور:(أخاف) بدلا من (أخشى). قال السيوطي: "وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، يرفعه إلى النبي صلى اله عليه وسلم، قال:(والله ما أخشى عليك الخطأ، ولكن أخشى عليك العمد)"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى