فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان

عن الكتاب
﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ للصلب وانسبوهم إليهم، ولا تدعوهم إلى غيرهم، أخرج البخاري، ومسلم وغيرهما، عن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن : أدعوهم لآبائهم، فقال رسول الله ﷺ أنت زيد بن حارثة بن شراحيل.
﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ﴾ تعليل للأمر بدعاء الأبناء للآباء، والضمير راجع إلى مصدر : ادعوهم ومعنى أقسط : أعدل، أي أعدل من كل كلام يتعلق بذلك فترك الإضافة للعموم، كقوله : الله أكبر، أو أعدل من قولكم : هو ابن فلان، ولم يكن ابنه لصلبه، وأقسط أفعل تفضيل، قصد به الزيادة مطلقا، من القسط بمعنى العدل، وانظر إلى فصاحة هذا الكلام، حيث وصل الجمل الطلبية. ثم فصل الخبرية عنها، ووصل بينها ؛ ثم فصل الاسمية عنها ووصل بينها، ثم فصل بالطلبية ثم تمرد الإرشاد للعباد فقال :
﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ﴾ تنسبونهم إليهم ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي فهم إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ فقولوا : أخي ومولاي، ولا تقولوا : ابن فلان حيث لم تعلموا آباءهم على الحقيقة، قال الزجاج : مواليكم، أي أولياؤكم في الدين.
وقيل المعنى : فان كانوا محررين ولم يكونوا أحرارا فقولوا : موالي فلان ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ أي إثم عليكم فيما وقع منكم من ذلك خطأ من غير عمد قبل النهي، فنسبتموه إلى غير أبيه ﴿وَلَكِن﴾ الإثم.
﴿مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وهو ما قلتموه على طريقة العمد، من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم مع علمكم بذلك، قال قتادة : لو دعوت رجلا بغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه، لم يكن عليك بأس بخلاف الحال في زيد فإنه لا يجوز أن يقال فيه زيد بن محمد، فإن قاله أحد متعمدا عصى بقوله هذا، عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة أن النبي ﷺ قال :( من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ) أخرجه البخاري ومسلم.
﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ يغفر للمخطئ ويرحمه، ويتجاوز عنه، أو غفور للذنوب، رحيما بالعباد، ومن جملة من يغفر له ويرحمه من دعا رجلا لغير أبيه خطأ، أو قبل النهي عن ذلك، أو على سبق اللسان، ثم ذكر سبحانه لرسوله مزية عظيمة، وخصوصية جليلة ؛ لا يشاركه فيها أحد من العباد فقال :﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى