تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
عن الكتاب
ولهذا قال تعالى في هذه الآية :﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
وقال البخاري عندها :(١) حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا [ محمد بن ] (٢) فُلَيح، حدثنا أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرَة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال :«ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرؤوا إن شئتم :﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عَصَبَتُه مَن كانوا. فإن ترك دَيْنًا أو ضَياعًا، فليأتني فأنا مولاه ». تفرد به البخاري(٣).
ورواه أيضا في " الاستقراض " وابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق، عن فليح، به مثله(٤). ورواه الإمام أحمد، من حديث أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ بنحوه(٥).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري في قوله تعالى :﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ كان يقول :" أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينا، فإلي. ومَنْ ترك مالا فلورثته " (٦). ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل(٧)، به نحوه.
وقوله :﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي : في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لاتجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم. وهل يقال لمعاوية وأمثاله : خال المؤمنين ؟ فيه قولان للعلماء. ونص الشافعي على أنه يقال ذلك. وهل يقال لهن : أمهات المؤمنات، فيدخل النساء(٨) في جمع المذكر السالم تغليبا ؟ فيه قولان : صح عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت : لا يقال ذلك. وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي، رحمه الله. (٩)
وقد روي عن أُبي بن كعب، وابن عباس أنهما قرآ :" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم "، وروي نحو هذا عن معاوية، ومجاهد، وعِكْرِمة، والحسن : وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي. حكاه البغوي وغيره، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود :
حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا ابن المبارك، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعَلِّمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه "، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة.
وأخرجه النسائي وابن ماجه، من حديث ابن عجلان(١٠).
والوجه الثاني : أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله :﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ : وقوله :﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي : في حكم الله ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ أي : القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار. وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره : كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته(١١) وذوي رحمه، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله ﷺ، وكذا قال سعيد بن جبير، وغير واحد من السلف والخلف.
وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثا عن الزبير بن العوام، رضي الله عنه، فقال : حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي - من ساكني بغداد - عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام قال : أنزل الله، عز وجل، فينا خاصة معشر قريش والأنصار :﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وذلك أنا معشر قريش لما قَدمنا المدينة، (١٢) قَدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نِعْمَ الإخوانُ، فواخيناهم ووارثناهم. فآخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلانا، وآخى عثمان بن عفان رضي الله عنه رجلا من بني زُرَيق، سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره. قال الزبير : وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، فوالله يا بني، لو مات يومئذ عن الدنيا، ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا.
وقوله :﴿إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ أي : ذهب الميراث، وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية.
وقوله :﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ أي : هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي لا يبدل، ولا يغير. قاله مجاهد وغير واحد. وإن كان قد يقال(١٣) : قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي(١٤)، وقضائه القدري الشرعي.
وقال البخاري عندها :(١) حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا [ محمد بن ] (٢) فُلَيح، حدثنا أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرَة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال :«ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة. اقرؤوا إن شئتم :﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عَصَبَتُه مَن كانوا. فإن ترك دَيْنًا أو ضَياعًا، فليأتني فأنا مولاه ». تفرد به البخاري(٣).
ورواه أيضا في " الاستقراض " وابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق، عن فليح، به مثله(٤). ورواه الإمام أحمد، من حديث أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ بنحوه(٥).
وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري في قوله تعالى :﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ كان يقول :" أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينا، فإلي. ومَنْ ترك مالا فلورثته " (٦). ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل(٧)، به نحوه.
وقوله :﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي : في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لاتجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم. وهل يقال لمعاوية وأمثاله : خال المؤمنين ؟ فيه قولان للعلماء. ونص الشافعي على أنه يقال ذلك. وهل يقال لهن : أمهات المؤمنات، فيدخل النساء(٨) في جمع المذكر السالم تغليبا ؟ فيه قولان : صح عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت : لا يقال ذلك. وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي، رحمه الله. (٩)
وقد روي عن أُبي بن كعب، وابن عباس أنهما قرآ :" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم "، وروي نحو هذا عن معاوية، ومجاهد، وعِكْرِمة، والحسن : وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي. حكاه البغوي وغيره، واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود :
حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا ابن المبارك، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعَلِّمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه "، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة.
وأخرجه النسائي وابن ماجه، من حديث ابن عجلان(١٠).
والوجه الثاني : أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله :﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ : وقوله :﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي : في حكم الله ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ أي : القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار. وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره : كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته(١١) وذوي رحمه، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله ﷺ، وكذا قال سعيد بن جبير، وغير واحد من السلف والخلف.
وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثا عن الزبير بن العوام، رضي الله عنه، فقال : حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي - من ساكني بغداد - عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام قال : أنزل الله، عز وجل، فينا خاصة معشر قريش والأنصار :﴿وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وذلك أنا معشر قريش لما قَدمنا المدينة، (١٢) قَدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نِعْمَ الإخوانُ، فواخيناهم ووارثناهم. فآخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلانا، وآخى عثمان بن عفان رضي الله عنه رجلا من بني زُرَيق، سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره. قال الزبير : وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، فوالله يا بني، لو مات يومئذ عن الدنيا، ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا.
وقوله :﴿إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ أي : ذهب الميراث، وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية.
وقوله :﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ أي : هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي لا يبدل، ولا يغير. قاله مجاهد وغير واحد. وإن كان قد يقال(١٣) : قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي(١٤)، وقضائه القدري الشرعي.
١ - في ف، ت، أ: "عند هذه الآية الكريمة"..
٢ - زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
٣ - صحيح البخاري برقم (٤٧٨١)..
٤ - صحيح البخاري برقم (٢٣٩٩) وتفسير الطبري (٢١/٧٧)..
٥ - المسند (٢/٣٣٤)..
٦ - في ف: "فهو لورثته"..
٧ - المسند (٣/٢٩٦) وسنن أبي داود برقم (٢٩٥٦)..
٨ - في ف، أ: "فيدخل النساء فيه"..
٩ - في ت: "رضي الله عنه"..
١٠ - سنن أبي داود برقم وسنن النسائي (١/٣٨) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٣)..
١١ - في ت: "أقاربه"..
١٢ - في ت: "لما قدمنا إلى المدينة"..
١٣ - في ت، ف: "وإن كان تعالى"..
١٤ - في ت: "إلى ما هو جار في قدره الأول"، وفي ف: "إلى هو جار في قدره الأزلي"..
٢ - زيادة من ت، ف، أ، والبخاري..
٣ - صحيح البخاري برقم (٤٧٨١)..
٤ - صحيح البخاري برقم (٢٣٩٩) وتفسير الطبري (٢١/٧٧)..
٥ - المسند (٢/٣٣٤)..
٦ - في ف: "فهو لورثته"..
٧ - المسند (٣/٢٩٦) وسنن أبي داود برقم (٢٩٥٦)..
٨ - في ف، أ: "فيدخل النساء فيه"..
٩ - في ت: "رضي الله عنه"..
١٠ - سنن أبي داود برقم وسنن النسائي (١/٣٨) وسنن ابن ماجه برقم (٣١٣)..
١١ - في ت: "أقاربه"..
١٢ - في ت: "لما قدمنا إلى المدينة"..
١٣ - في ت، ف: "وإن كان تعالى"..
١٤ - في ت: "إلى ما هو جار في قدره الأول"، وفي ف: "إلى هو جار في قدره الأزلي"..