المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
﴿سبح﴾ في هذه الآية، بمعنى نزه وقدس وقل سبحانه عن النقائص والغير (١)جمعاً وما يقول المشركون، والاسم الذي هو : ألف، سين، ميم، يأتي في مواضع من الكلام الفصيح يراد به المسمى، ويأتي في مواضع يراد به التسمية نحو قوله عليه السلام :«إن لله تسعة وتسعين اسماً »(٢) وغير ذلك، ومعنى أريد به المسمى فإنما هو صلة كالزائد كأنه قال في هذه الآية : سبح ربك، أي نزهه، وإذا كان الاسم واحداً من الأسماء كزيد وعمرو، فيجيء في الكلام على ما قلت، تقول زيد قائد تريد المسمى، وتقول : زيد ثلاثة أحرف تريد به التسمية، وهذه الآية تحتمل هذا الوجه الأول، وتحتمل أن يراد بالاسم التسمية نفسها على معنى نزاه اسم ربك عن أن يسمى به صنم أو وثن، فيقال له إله ورب ونحو ذلك، و ﴿الأعلى﴾ يصح أن يكون صفة للاسم، ويحتمل أن يكون صفة للرب، وذكر الطبري أن ابن عمر وعلياً قرآ هذه السورة :«سبحان ربي الأعلى » قال وهي في مصحف أبيّ بن كعب كذلك، وهي قراءة أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومالك بن أبي دينار، وروى ابن عباس أن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال :«سبحان ربي الأعلى (٣) »، وكان ابن مسعود وابن عامر وابن الزبير يفعلون ذلك، ولما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ :«اجعلوها في سجودكم »(٤)، وقال قوم : معنى ﴿سبح اسم ربك﴾ نزه اسم ربك تعالى عن أن تذكره إلا وانت خاشع، وقال ابن عباس معنى الآية : صلّ باسم ربك الأعلى كما تقول ابدأ باسم الله، وحذف حرف الجر
١ هي أحوال الدهر وأحداثه المتغيرة، قيل: مفرده، غيرة: وقيل بل هو مفرد، وجمعه أغيار..
٢ أخرجه البخاري في التوحيد والشروط والدعوات، ومسلم في الذكر، والترمذي في الدعوات وابن ماجه في الدعاء، ولفظه كما في صحيح البخاري: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة)، أحصاها: حفظها..
٣ أخرجه أحمد، وأبو داود والبيهقي في سننه، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج مثله عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير. (الدر المنثور)..
٤ أخرجه أحمد وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه، عن عقبة بن عامر الجهني، ولفظه كما ذكره السيوطي في الدر المنثور: قال: لما نزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت (سبح اسم ربك الأعلى) قال: اجعلوها في سجودكم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى