جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
قوله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إلاّ ما شاءَ اللّهُ يقول تعالى ذكره : سنقرئك يا محمد هذا القرآن فلا تنساه، إلاّ ما شاء الله.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله فلا تَنْسَى إلاّ ما شاءَ اللّهُ فقال بعضهم : هذا إخبار من الله نبيه عليه الصلاة والسلام أنه يعلمه هذا القرآن، ويحفظه عليه، ونهي منه أن يعجل بقراءته، كما قال جلّ ثناؤه : لا تُحَرّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بهِ إنّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرآنَهُ. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى قال : كان يتذكر القرآن في نفسه مخافة أن ينسى.
فقال قائلو هذه المقالة : معنى الاستثناء في هذا الموضع على النسيان، ومعنى الكلام : فلا تنسى، إلاّ ما شاء الله أن تنساه، ولا تذكُرَه، قالوا : ذلك هو ما نسخه الله من القرآن، فرفع حكمه وتلاوته. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى كان ﷺ لا ينسى شيئا إلاّ ما شاءَ اللّهُ.
وقال آخرون : معنى النسيان في هذا الموضع : الترك وقالوا : معنى الكلام : سنقرئك يا محمد فلا تترك العمل بشيء منه، إلاّ ما شاء الله أن تترك العمل به، مما ننسخه.
وكان بعض أهل العربية يقول في ذلك : لم يشأ الله أن تنسى شيئا، وهو كقوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السّمَوَاتُ والأرْضُ إلاّ ما شاءَ رَبّكَ ولا يشاء. قال : وأنت قائل في الكلام : لأعطينك كلّ ما سألت إلاّ ما شئت، وإلاّ أن أشاء أن أمنعك، والنية أن لا تمنعه، ولا تشاء شيئا. قال : وعلى هذا مجارِي الأَيمان، يستثنى فيها، ونية الحالف : اللمام.
والقول الذي هو أولى بالصواب عندي، قول من قال : معنى ذلك : فلا تنسى إلاّ أن نشاء نحن أن نُنسيكه بنسخه ورفعه. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك أظهر معانيه.
وقوله : إنّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَما يَخْفَى يقول تعالى ذكره : إن الله يعلم الجهر يا محمد من عملك، ما أظهرته وأعلنته وَما يَخْفَى يقول : وما يخفى منه فلم تظهره، مما كتمته، يقول : هو يعلم جميع أعمالك، سرّها وعلانيتها يقول : فاحذره أن يطلع عليك وأنت عامل في حال من أحوالك بغير الذي أذن لك به.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى