الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي

عن الكتاب
ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام :﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ﴾ أي : لا تَلْتَفِتْ إلى نَهْيِهِ وكلامِه و﴿اسجد واقترب﴾ لربك و﴿اقترب﴾ إليه بسجودِك، وفي الحديث :" أَقْرَبُ ما يكونُ العبدُ من رَبّه إذا سَجَدَ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ في السجودِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُم ". ورَوَى ابنُ وهب عَنْ جماعةٍ من أهل العِلم : أنّ قَوْلَه :﴿تطعه﴾ : خطابٌ للنبي ﷺ، وَأَن قَوْلَه : و﴿اقترب﴾ : خطابٌ لأَبِي جَهْلٍ، أي : إنْ كنت تَجْتَرئ حتى تَرَى كَيْفَ تَهْلَكُ. ( ت ) : والتأويلُ الأولُ أظهرُ ؛ يدلُ عليه قولُه ﷺ :" أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربه وهو ساجِدٌ "، وعنْ ربيعة بن كعب الأسلميِّ قال :" كنتُ أبيتُ مع النبي ﷺ فآتيهِ بِوضُوئِهِ وحَاجَتِه، فقال لي : سَلْ ؛ فقلتُ : أسألكَ مُرَافَقَتَكَ في الجنةِ، قالَ : أوَ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : هُوَ ذَاكَ، قَال : فأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ "، رواه الجماعة إلا البخاريَّ، ولفظُ الترمذي :" كُنْتُ أَبِيتُ عِنْدَ بَابِ النبيِّ ﷺ فَأُعْطِيهِ وَضُوءَهُ، فَأَسْمَعُهُ الْهَوِيَّ مِنَ اللَّيْلِ يقول : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه، وأَسْمَعُهُ الْهَوِيَّ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ : الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ "، قال الترمذيُّ : هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، وليس لربيعةَ في الكتب الستَّةِ سوى هذا الحديثِ، انتهى من «السلاح »، ورُوِيَ أن أبا جَهْلٍ جاءَ والنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَهمَّ بِأَنْ يَصِلَ إلَيْهِ، وَيَمْنَعَهُ مِنَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ رجعَّ وَوَلَّى نَاكِصاً على عَقِبَيْهِ مُتَّقِياً بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : لَقَدْ عَرَضَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِنْ نَارٍ، وَهَوْلٌ وَأَجْنِحَةٌ، فيروى : أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ :" لَوْ دَنَا مِنِّي لأَخَذَتْهُ المَلاَئِكَةُ عِيَاناً " ( ت ) : ولما لم يَنْتَهِ عَدُوُّ اللَّهِ أَخَذَهُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَمْكَنَ مِنْهُ، وذَكَرَ الوائليُّ الحَافِظُ في كتابِ «الإبَانَةِ » له مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بن مغول عن نافِع عن ابن عمر قال :" بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ بِجَنَبَاتِ بَدْرٍ إذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الأَرْضِ في عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ يُمْسِكُ طَرَفهَا أَسْوَدُ، فَقال : يَا عَبْدَ اللَّهِ، اسْقِنِي، فَقَالَ ابن عُمَرَ : لاَ أَدْرِي أَعَرَفَ اسمي، أَوْ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ لي الأَسْوَدُ : لاَ تَسْقِهِ ؛ فَإنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ اجتذبه، فَدَخَلَ الأرْضَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُه، فقال :«أَوَ قَدْ رَأَيْتَهُ ؟ ذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وهُوَ عَذَابُهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ " انتهى من «التَّذْكِرَة » للقرطبيِّ، وقد ذَكَرْتُ هذهِ الحكايةَ عَن أبي عمر بن عبد البر بأتَّم مِنْ هَذا عِنْد قوله تعالى :﴿فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [فصلت: ٢٧].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى