التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الأسباب التى تحمل الإِنسان على الطغيان فقال :﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى. أَن رَّآهُ استغنى﴾.
و " كلا " حرف ردع وزجر لمن تكبر وتمرد.. فهو زجر عما تضمنه ما بعدها، لأن ما قبلها ليس فيه ما يوجب الزجر والردع، ويصح أن تكون " كلا " هنا بمعنى حقا. وقوله :﴿يطغى﴾ من الطغيان، وهو تجاوز الحق فى التكبر والتمرد. والضمير فى قوله ﴿رآه﴾ يعود على الإِنسان الطاغى، والجملة متعلقة بقوله ﴿يطغى﴾ بحذف لام التعليل، والرؤية بمعنى العلم.
والمعنى : حقا إن الإِنسان ليتعاظم ويتكبر ويتمرد على الحق، لأنه رأى نفسه ذا غنى فى المال والجاه والعشيرة، ورآها - لغروره وبطره - ليست فى حاجة إلى غيره.
والمراد بالإِنسان هنا جنسه ؛ لأن من طبع الإِنسان أن يطغى، إذا ما كثرت النعم بين يديه، إلا من عصمه الله - تعالى - من هذا الخُلُقِ الذميم، بأن شكره - سبحانه - على نعمه، واستعملها فى طاعته.
وقيل : المراد بالإِنسان هنا أبو جهل، وأن هذه الآيات وما بعدها حتى آخر السورة قد نزلت فى أبي جهل، فقد أخرج البخارى عن ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلى عند الكعبة، لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك النبى ﷺ فقال : " لئن فعل لأخذته الملائكة ". ونزول هذه الآيات فى شأن أبي جهل لا يمنع عموم حكمها، ويدخل فى هذا الحكم دخولا أوليا أبو جهل، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى