اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لمَّا بيَّن فساد أقوال المشركين شَرَعَ في إقامة الدلالة على فساد قول من يثبت له الولد، فقال :﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
والإبداع : عبارة عن تَكْوينِ الشيء من غير سَبْقِ مثالٍ، وتقدَّم الكلامُ عليه في " البقرة ".
وقرأ الجمهور(١) رفع العين، وفيها ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : هو بَدِيعٌ، فيكون الوَقْفُ على قوله :" والأرض " فهي جملة مستقلة بنفسها.
الثاني : أنه فاعل بقوله :" تعالى "، أي : تعالى بديع السماوات، وتكون هذه الجملة الفعلية مَعْطُوفَةً على الفِعْلِ المقدر قبلها، وهو النَّاصب ل " سبحان " فإن " سبحان " كما تقدَّم من المصادرِ اللازم إضمار ناصبها.
الثالث : أنه مبتدأ وخبره ما بعده من قوله :﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَد﴾.
وقرأ المنصور(٢) " بديع " بالجر قال الزمخشري(٣) : ردَّا على قوله :" وجعلوا لله "، أو على " سبحانه " كذا قاله، ولم يبيّن على أي وجه من وُجُوهِ الإعراب هو وكذا أبو حيَّان - رحمه الله - حَكَاهُ عنه ومرَّ عليه، ويريد بالرد كونه تابعاً، إما : لله، أو للضمير المجرور في " سُبْحَانَهُ " وتبعيته له على كونه بدلاً من " لله " تعالى أو من الهاء في " سُبْحَانَهُ " ويجوز أن يكون نَعْتاً [ لله على أن تكون إضافة " بديع " مَحْضَةً كما ستعرفه.
وأما تَبَعِيَّتُهُ للهاء فيتعين أن يكون بدلاً، ويمتنع أن يكون نَعْتاً ]، وإن اعتقدنا تعريفه بالإضافة لِمُعَارضِ آخر، وهوأن الضمير لا ينعت إلا ضمير الغائب على رأي الكسائي، فعلى رأيه قد يجوز ذلك.
وقرأ أبو صالح الشَّامي(٤) :" بديعَ " نصباً، ونَصْبُهُ على المَدْحِ، وهي تؤيد قراءة الجر، وقراءة الرفع المتقدمة يحتمل أن تكون أصْلِيَّة الإتباع بالجر على البَدَلِ ثم قطع التابع رفعاً.
و " بديع " يجوز أن يكون بمعنى " مُبْدِعٍ " وقد سَبَقَ معناه، أو تكون صِفَةً مشبهة أضيفت لمرفوعها، كقولك : فلان بديعُ الشعر، أي : بديع شعره، وعلى هذيْنِ القولين، فإضافته لَفْظِيَّةٌ، لأنه في الأوَّل من باب إضافة اسم الفاعل إلى منصوبه، وفي الثُّاني من باب إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها، ويجوز أن تكون بمعنى عديم النظير والمثل فيهما، كأنه قيل : البديع في السماوات والأرض، فالإضافة على هذا إضافةٌ مَحْضَةٌ.
قوله :﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ " أنَّى " بمعنى " كيف " [ أو " من أين " ](٥) وفيها وجهان :
أحدهما : أنها خبر كان الناقصة، و " له " في محل نصبٍ على الحال، و " ولد " اسمها، ويجوز أن تكون مَنْصُوبَةً على التشبيه بالحال أو الظرف، كقوله :﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]. والعامل فيها قال أبو البقاء(٦) :[ " يكون " ](٧) وهذا على رَأي من يجيز في " كان " أن تعمل في الأحوال والظروف وشبههما، و " له " خبر يكون، و " ولد " اسمها.
ويجوز في " يكون " أن تكون تامَّةً، وهذا أحْسَنُ أي : كيف يوجد له ولدٌ، وأسباب الولدية مُنْتَفِيَةٌ ؟
قوله :﴿وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ هذه " الواو " للحال، والجملة بعدها في مَحَل نصب على الحال من مضمون الجملة المتقدمة، أي : كيف يُوجد له ولد، والحال أنه لم يكن له زَوجٌ، وقد عُلِمَ أن الولدَ إنما يكون من بين ذكرٍ وأنثى، وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك.
والجمهور(٨) على " تكن " بالتاء من فوق.
وقرأ النخعي(٩) بالياء من تحت وفيه أربعة أوجه :
أحدها : أن الفِعْلَ مسند إلى " صاحبه " أيضاً كالقراءة المشهورة، وإنما جاز التذكير لِلْفَصْلِ كقوله :[ الوافر ]
لَقَدْ وَلَدَ الأخَيْطِلَ أمُّ سَوْءٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١٠)
وقول القائل :[ البسيط ]
وقال ابن عطيَّة(١٢) :" وتذكير " كان " وأخواتها مع تأنيث اسمها أسْهَلُ من ذلك في سائر الأفعال ".
قال أبو حيَّان(١٣) - رحمه الله - :" ولا أعرف هذا عن النحويين، ولم يُفَرِّقوا بين " كان " وغيرها ".
قال شهاب(١٤) الدين : هذا كلامٌ صحيح، ويؤيده أن الفارسيَّ وإن كان يقول بِحَرْفِيَّةِ بعضها ك " ليس "، فإنه لا يجيزحَذْفَ التاء منها لو قلت :" ليس هند قائمة " لم يَجُزْ.
الثاني : أن في " يكون " ضميراً يعود على الله تعالى، و " له " خبر مُقدَّمٌ، و " صاحبة " مبتدأ مؤخر، والجملة خبر " يكون ".
الثالث : أن يكون " له " وحْدَهُ هو الخبر، و " صاحبة " فاعل به لاعْتِمَادِهِ وهذه أوْلَى مِمَّا قبله ؛ لأن الجارَّ أقْرَبُ إلى المفرد، والأصل في الأخبار الإفراد.
الرابع : أنَّ في " يكون " ضمير الأمر والشأن، و " له " خبر مُقدَّمٌ، و " صاحبة " مبتدأ مؤخر، والجملة خبر " يكون " مفسّرة لضمير الشأن، ولا يجوز في هذا أن يكون " له " هو الخبر وَحْدَهُ، و " صاحبة " فاعل به، كما جاز في الوجه قبله.
والفرق أن ضمير الشَّأن لا يُفَسَّر إلا بجملة صريحة، وقد تقدَّم أن هذا النَّوْعَ من قبيل المفردات، و [ " تكن " ](١٥) يَجُوزُ أن تكون النَّاقِصَةَ أو التامة حسبما تقدَّم فيما قبلها.
وقوله :﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾ هذه جملة إخبارية مُسْتَأنَفَةٌ، ويجوز أن تكون حالاً وهي حال لازمة.
اعلم أنَّ المَقْصُودَ من الآية بيانُ إبطال من يثبت الولد منه تبارك وتعالى، فيقال لهم : إما أن تريديوا بكونه ولداً لله تبارك وتعالى [ كما هو المعهود من كون الإنسان ولداً لأبيه ](١٦) أو أبدعه من غير تقدُّمِ نُطْفَةٍ ووالد، وإما أن تريدوا بكونه ولداً لله كما هو المألوف، وإما أن تريدوا بكونه ولداً لله مفهوماً ثالثاً مغايراً لهذين المفهومين، أما الأول فباطل ؛ لأنه -تبارك وتعالى- وإن كان يحدث الحوادث في مثل هذا العالم الأسفل، بناء على أسباب معلومة، إلاَّ أنَّ النصارى يسلمون أن العالم الأسفل محدث.
وإذا كان كذلك لزمهم الاعْتِرَافُ بأن الله -تعالى- خلق السماوات والأرض من غير سبق مادَّةٍ، وإذا كان كذلك وَجَبَ أن يكون إحْدَاثُهُ للسموات والأرض إبْدَاعاً، فلو لزم من مجرد كونه مُبْدِعاً [ لإحداث عيسى- عليه الصَّلاة والسَّلام - كونه والداً له لزم من كونه مُبْدِعاً ](١٧) للسموات والأرض أن يكون والداً لهما، وذلك مُحَالٌ، فلزم من كونه مُبْدِعاً لعيسى عليه الصَّلاة والسَّلام ألاًّ يكون والداً لهما وهذا هو المراد من قوله :﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وإنما ذكر السماوات والأرض فقط، ولم يذكر ما فيهما، لأن حدوث ما في السماوات والأرض ليس على سبيل الإبداع، أمَّا حُدُوثُ ذَاتِ السماوات والأرض، فقد كان على سبيل الإبداع، فحصل الإبداع بِذِكْرِ السماوات والأرض لا بذكر ما فيهما، وإن أرادوا من الوِلادَةِ الأمر المعهود في الحيوانات، فهذا أيضاً باطل من وجوه :
أولها : أن الولادةَ لا تَصِحُّ إلا ممن له زوجة وشَهْوَةٌ ينفصل عنه بِجُزْءٍ في باطن تلك الصَّاحبة، وهذه الأحوال إنما تثبت في حَقِّ الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون والشَّهْوَةُ واللَّذَّةُ، وكل ذلك على خالق العالم مُحَالٌ، وهذا هو المراد من قوله :﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾.
ثانيها : أن تحصيل الولد بهذا الطريق المعتاد إنما يصح في حق من لا يكون قادراً على الخلق، وأمَّا الخالق لكل الممكنات، القادر على كل المحدثات، فإذا أراد إحداث شيء قال له :" كن فيكون " ومن كان هذا صفته يمتنع إحداث شخص بطريق الوِلادةِ، وهذا هو المراد من قوله :﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
وثالثها : أن هذا الولد إمَّا أن يكون قديماً أو محدثاً، لا جائز أن يكون قديماً ؛ لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لِذَاتِهِ وما كان واجباً لذاته غني عن غيره، فيمتنع كونه ولداً لغيره، فبقي أن يكون الولد محدثاً، وإذا كان والداً كان محدثاً فنقول : إنه تبارك وتعالى عالم بجميع المَعْلُومَات، فإما أن يعمل أن له في تحصيل الولد كمالاً ونفعاً أو يعلم أنه ليس الأمر كذلك، فإن كان الأول فلا وَقْتَ يفرض أن الله -تعالى- خلق هذا الولد فيه إلاَّ والدَّاعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلاً قبله، فيلزم حُصُولُ الولد قبل ذلك، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليَّا وهو مُحَالٌ.
وإن علم أنه ليس في تحصيل الولد كمال ونفع، فيجب ألاَّ يحدثه ألبتة، وهذا هو المراد من قوله تعالى :﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وأما الاحتمال الثالث فذلك بَاطِلٌ غير مُتَصَوَّرٍ، ولا مفهوم للعقل، فالقول بإثبات الولادة بناء على ذلك مَحْضُ الجهل، وهو بَاطِلٌ.
والإبداع : عبارة عن تَكْوينِ الشيء من غير سَبْقِ مثالٍ، وتقدَّم الكلامُ عليه في " البقرة ".
وقرأ الجمهور(١) رفع العين، وفيها ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه خبر مبتدأ محذوف، أي : هو بَدِيعٌ، فيكون الوَقْفُ على قوله :" والأرض " فهي جملة مستقلة بنفسها.
الثاني : أنه فاعل بقوله :" تعالى "، أي : تعالى بديع السماوات، وتكون هذه الجملة الفعلية مَعْطُوفَةً على الفِعْلِ المقدر قبلها، وهو النَّاصب ل " سبحان " فإن " سبحان " كما تقدَّم من المصادرِ اللازم إضمار ناصبها.
الثالث : أنه مبتدأ وخبره ما بعده من قوله :﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَد﴾.
وقرأ المنصور(٢) " بديع " بالجر قال الزمخشري(٣) : ردَّا على قوله :" وجعلوا لله "، أو على " سبحانه " كذا قاله، ولم يبيّن على أي وجه من وُجُوهِ الإعراب هو وكذا أبو حيَّان - رحمه الله - حَكَاهُ عنه ومرَّ عليه، ويريد بالرد كونه تابعاً، إما : لله، أو للضمير المجرور في " سُبْحَانَهُ " وتبعيته له على كونه بدلاً من " لله " تعالى أو من الهاء في " سُبْحَانَهُ " ويجوز أن يكون نَعْتاً [ لله على أن تكون إضافة " بديع " مَحْضَةً كما ستعرفه.
وأما تَبَعِيَّتُهُ للهاء فيتعين أن يكون بدلاً، ويمتنع أن يكون نَعْتاً ]، وإن اعتقدنا تعريفه بالإضافة لِمُعَارضِ آخر، وهوأن الضمير لا ينعت إلا ضمير الغائب على رأي الكسائي، فعلى رأيه قد يجوز ذلك.
وقرأ أبو صالح الشَّامي(٤) :" بديعَ " نصباً، ونَصْبُهُ على المَدْحِ، وهي تؤيد قراءة الجر، وقراءة الرفع المتقدمة يحتمل أن تكون أصْلِيَّة الإتباع بالجر على البَدَلِ ثم قطع التابع رفعاً.
و " بديع " يجوز أن يكون بمعنى " مُبْدِعٍ " وقد سَبَقَ معناه، أو تكون صِفَةً مشبهة أضيفت لمرفوعها، كقولك : فلان بديعُ الشعر، أي : بديع شعره، وعلى هذيْنِ القولين، فإضافته لَفْظِيَّةٌ، لأنه في الأوَّل من باب إضافة اسم الفاعل إلى منصوبه، وفي الثُّاني من باب إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها، ويجوز أن تكون بمعنى عديم النظير والمثل فيهما، كأنه قيل : البديع في السماوات والأرض، فالإضافة على هذا إضافةٌ مَحْضَةٌ.
قوله :﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ " أنَّى " بمعنى " كيف " [ أو " من أين " ](٥) وفيها وجهان :
أحدهما : أنها خبر كان الناقصة، و " له " في محل نصبٍ على الحال، و " ولد " اسمها، ويجوز أن تكون مَنْصُوبَةً على التشبيه بالحال أو الظرف، كقوله :﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]. والعامل فيها قال أبو البقاء(٦) :[ " يكون " ](٧) وهذا على رَأي من يجيز في " كان " أن تعمل في الأحوال والظروف وشبههما، و " له " خبر يكون، و " ولد " اسمها.
ويجوز في " يكون " أن تكون تامَّةً، وهذا أحْسَنُ أي : كيف يوجد له ولدٌ، وأسباب الولدية مُنْتَفِيَةٌ ؟
قوله :﴿وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾ هذه " الواو " للحال، والجملة بعدها في مَحَل نصب على الحال من مضمون الجملة المتقدمة، أي : كيف يُوجد له ولد، والحال أنه لم يكن له زَوجٌ، وقد عُلِمَ أن الولدَ إنما يكون من بين ذكرٍ وأنثى، وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك.
والجمهور(٨) على " تكن " بالتاء من فوق.
وقرأ النخعي(٩) بالياء من تحت وفيه أربعة أوجه :
أحدها : أن الفِعْلَ مسند إلى " صاحبه " أيضاً كالقراءة المشهورة، وإنما جاز التذكير لِلْفَصْلِ كقوله :[ الوافر ]
لَقَدْ وَلَدَ الأخَيْطِلَ أمُّ سَوْءٍ ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١٠)
وقول القائل :[ البسيط ]
| إنَّ امْرَأ غَرَّهُ مِنْكُنَّ وَاحِدَةٌ | بَعْدِي وبَعْدَكِ في الدُّنْيَا لَمَغْرُورُ(١١) |
قال أبو حيَّان(١٣) - رحمه الله - :" ولا أعرف هذا عن النحويين، ولم يُفَرِّقوا بين " كان " وغيرها ".
قال شهاب(١٤) الدين : هذا كلامٌ صحيح، ويؤيده أن الفارسيَّ وإن كان يقول بِحَرْفِيَّةِ بعضها ك " ليس "، فإنه لا يجيزحَذْفَ التاء منها لو قلت :" ليس هند قائمة " لم يَجُزْ.
الثاني : أن في " يكون " ضميراً يعود على الله تعالى، و " له " خبر مُقدَّمٌ، و " صاحبة " مبتدأ مؤخر، والجملة خبر " يكون ".
الثالث : أن يكون " له " وحْدَهُ هو الخبر، و " صاحبة " فاعل به لاعْتِمَادِهِ وهذه أوْلَى مِمَّا قبله ؛ لأن الجارَّ أقْرَبُ إلى المفرد، والأصل في الأخبار الإفراد.
الرابع : أنَّ في " يكون " ضمير الأمر والشأن، و " له " خبر مُقدَّمٌ، و " صاحبة " مبتدأ مؤخر، والجملة خبر " يكون " مفسّرة لضمير الشأن، ولا يجوز في هذا أن يكون " له " هو الخبر وَحْدَهُ، و " صاحبة " فاعل به، كما جاز في الوجه قبله.
والفرق أن ضمير الشَّأن لا يُفَسَّر إلا بجملة صريحة، وقد تقدَّم أن هذا النَّوْعَ من قبيل المفردات، و [ " تكن " ](١٥) يَجُوزُ أن تكون النَّاقِصَةَ أو التامة حسبما تقدَّم فيما قبلها.
وقوله :﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾ هذه جملة إخبارية مُسْتَأنَفَةٌ، ويجوز أن تكون حالاً وهي حال لازمة.
فصل في إبطال نسبة الولد إلى الله تعالى عن ذلك
اعلم أنَّ المَقْصُودَ من الآية بيانُ إبطال من يثبت الولد منه تبارك وتعالى، فيقال لهم : إما أن تريديوا بكونه ولداً لله تبارك وتعالى [ كما هو المعهود من كون الإنسان ولداً لأبيه ](١٦) أو أبدعه من غير تقدُّمِ نُطْفَةٍ ووالد، وإما أن تريدوا بكونه ولداً لله كما هو المألوف، وإما أن تريدوا بكونه ولداً لله مفهوماً ثالثاً مغايراً لهذين المفهومين، أما الأول فباطل ؛ لأنه -تبارك وتعالى- وإن كان يحدث الحوادث في مثل هذا العالم الأسفل، بناء على أسباب معلومة، إلاَّ أنَّ النصارى يسلمون أن العالم الأسفل محدث.
فصل في رد شبهة النصارى
وإذا كان كذلك لزمهم الاعْتِرَافُ بأن الله -تعالى- خلق السماوات والأرض من غير سبق مادَّةٍ، وإذا كان كذلك وَجَبَ أن يكون إحْدَاثُهُ للسموات والأرض إبْدَاعاً، فلو لزم من مجرد كونه مُبْدِعاً [ لإحداث عيسى- عليه الصَّلاة والسَّلام - كونه والداً له لزم من كونه مُبْدِعاً ](١٧) للسموات والأرض أن يكون والداً لهما، وذلك مُحَالٌ، فلزم من كونه مُبْدِعاً لعيسى عليه الصَّلاة والسَّلام ألاًّ يكون والداً لهما وهذا هو المراد من قوله :﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وإنما ذكر السماوات والأرض فقط، ولم يذكر ما فيهما، لأن حدوث ما في السماوات والأرض ليس على سبيل الإبداع، أمَّا حُدُوثُ ذَاتِ السماوات والأرض، فقد كان على سبيل الإبداع، فحصل الإبداع بِذِكْرِ السماوات والأرض لا بذكر ما فيهما، وإن أرادوا من الوِلادَةِ الأمر المعهود في الحيوانات، فهذا أيضاً باطل من وجوه :
أولها : أن الولادةَ لا تَصِحُّ إلا ممن له زوجة وشَهْوَةٌ ينفصل عنه بِجُزْءٍ في باطن تلك الصَّاحبة، وهذه الأحوال إنما تثبت في حَقِّ الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق، والحركة والسكون والشَّهْوَةُ واللَّذَّةُ، وكل ذلك على خالق العالم مُحَالٌ، وهذا هو المراد من قوله :﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ﴾.
ثانيها : أن تحصيل الولد بهذا الطريق المعتاد إنما يصح في حق من لا يكون قادراً على الخلق، وأمَّا الخالق لكل الممكنات، القادر على كل المحدثات، فإذا أراد إحداث شيء قال له :" كن فيكون " ومن كان هذا صفته يمتنع إحداث شخص بطريق الوِلادةِ، وهذا هو المراد من قوله :﴿خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
وثالثها : أن هذا الولد إمَّا أن يكون قديماً أو محدثاً، لا جائز أن يكون قديماً ؛ لأن القديم يجب كونه واجب الوجود لِذَاتِهِ وما كان واجباً لذاته غني عن غيره، فيمتنع كونه ولداً لغيره، فبقي أن يكون الولد محدثاً، وإذا كان والداً كان محدثاً فنقول : إنه تبارك وتعالى عالم بجميع المَعْلُومَات، فإما أن يعمل أن له في تحصيل الولد كمالاً ونفعاً أو يعلم أنه ليس الأمر كذلك، فإن كان الأول فلا وَقْتَ يفرض أن الله -تعالى- خلق هذا الولد فيه إلاَّ والدَّاعي إلى إيجاد هذا الولد كان حاصلاً قبله، فيلزم حُصُولُ الولد قبل ذلك، وهذا يوجب كون ذلك الولد أزليَّا وهو مُحَالٌ.
وإن علم أنه ليس في تحصيل الولد كمال ونفع، فيجب ألاَّ يحدثه ألبتة، وهذا هو المراد من قوله تعالى :﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وأما الاحتمال الثالث فذلك بَاطِلٌ غير مُتَصَوَّرٍ، ولا مفهوم للعقل، فالقول بإثبات الولادة بناء على ذلك مَحْضُ الجهل، وهو بَاطِلٌ.
١ ينظر: الدر المصون ٣/١٤٦..
٢ ينظر: الدر المصون ٣/١٤٦..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٥٣..
٤ ينظر الدر المصون ٣/١٢٥، البحر المحيط ٤/١٨٥، إتحاف فضلاء البشر ٢/٢٢..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: الإملاء ١/٢٥٦..
٧ سقط في ب..
٨ ينظر: الدر المصون ٣/١٤٧..
٩ ينظر: الدر المصون ٣/١٤٧، المحتسب ١/٢٢٤..
١٠ صدر بيت لجرير وعجزه:
ينظر: ديوانه ٢/٢٨٣، المقتضب ٢/١٤٥، الإنصاف ١/١٧٥، الأمالي لابن الشجري ٣/١٥٣، الدر المصون ٣/١٤٧..
١١ ينظر: الإنصاف ١/١٧٤، تخليص الشواهد ص (٤٨١)، الخصائص ٢/٤١٤، الدرر ٦/٢٧١، شرح الأشموني ١/١٧٣، شرح شذور الذهب ص (٢٢٤)، شرح المفصل ٥/٩٣، اللسان (غرر)، اللمع ص (١١٦)، المقاصد النحوية ٢/٤٧٦، همع الهوامع ٢/١٧١، البحر ٢/٣٩٣..
١٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٢٩..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٤/١٩٧..
١٤ ينظر: الدر المصون ٣/١٤٨..
١٥ سقط في ب..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في ب..
٢ ينظر: الدر المصون ٣/١٤٦..
٣ ينظر: الكشاف ٢/٥٣..
٤ ينظر الدر المصون ٣/١٢٥، البحر المحيط ٤/١٨٥، إتحاف فضلاء البشر ٢/٢٢..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: الإملاء ١/٢٥٦..
٧ سقط في ب..
٨ ينظر: الدر المصون ٣/١٤٧..
٩ ينظر: الدر المصون ٣/١٤٧، المحتسب ١/٢٢٤..
١٠ صدر بيت لجرير وعجزه:
| على باب استها صلب وشام | ...................... |
١١ ينظر: الإنصاف ١/١٧٤، تخليص الشواهد ص (٤٨١)، الخصائص ٢/٤١٤، الدرر ٦/٢٧١، شرح الأشموني ١/١٧٣، شرح شذور الذهب ص (٢٢٤)، شرح المفصل ٥/٩٣، اللسان (غرر)، اللمع ص (١١٦)، المقاصد النحوية ٢/٤٧٦، همع الهوامع ٢/١٧١، البحر ٢/٣٩٣..
١٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٢٩..
١٣ ينظر: البحر المحيط ٤/١٩٧..
١٤ ينظر: الدر المصون ٣/١٤٨..
١٥ سقط في ب..
١٦ سقط في أ..
١٧ سقط في ب..