التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله :﴿ولتصغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة﴾. معطوف على ﴿غُرُوراً﴾ فيكون علة أخرى للإيحاء، والضمير فى ﴿إِلَيْهِ﴾ يعود إلى زخرف القول.
وأصل الصغو : الميل. يقال : صغا يصغو ويصغى صغوا، وصغى يصغى صغاً أى : مال، وأصغى إليه مال إليه يسمعه، وأصغى الإناء : أماله. ويقال : صغت الشمس والنجوم صغوا : مالت إلى الغروب.
والمعنى : يوحى بعضهم إلى بعضهم زخرف القول ليغروا به الضعفاء، ولتميل إلى هذا الزخرف الباطل من القول قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة لموافقته لأهوائهم وشهواتهم.
وخص عدم إيمانهم بالآخرة بالذكر - مع أنهم لا يؤمنون بأمور أخرى يجب الإيمان بها - لأن من لم يؤمن بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب يمشى دائما وراء شهواته وأهوائه ولا يتبع إلا زخرف القول وباطله.
ثم بين - سبحانه - تدرجهم السىء فى هذا العمل الأثيم فقال :﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾.
أى : وليرضوا هذا الفعل الخبيث لأنفسهم بعد أن مالت إليه قلوبهم، وليقترفوا ما هم مقترفون أى : وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الأعمال السيئة فإن الله - تعالى - سيجازيهم عليها بما يستحقونه.
وأصل القرف والاقتراف. قشر اللحاء عن الشجر، والجلدة عن الجرح. واستعير الاقتراف للاكتساب مطلقا ولكنه فى الإساءة أكثر. فيقال : قرفته بكذا إذا عبته واتهمته.
قال أبو حيان : وترتيب هذه المفاعيل فى غاية الفصاحة، لأنه أولا يكون الخداع، فيكون الميل، فيكون الرضا، فيكون الاقتراف، فكل واحد مسبب عما قبله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى