البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
صغوت وصغيت وصغيت بكسر الغين فمصدر الأول صغوا والثاني صغا، والثالث صغا، ومضارعها يصغي بفتح الغين، وهي لازمة، وأصغى مثلها لازم ويأتي متعدّياً بكون الهمزة فيه للنقل، قال الشاعر في اللازم :
ترى السفيه به عن كل محكمةزيغ وفيه إلى التشبيه إصغاء
وقال في المتعدّي :
أصاخ من نبأة أصغى لها أذناصماخها بدسيس الذوق مستور
وأصله الميل يقال : صغت النجوم : مالت للغروب.
وفي الحديث :« فأصغى لها الإناء ».
قال أبو زيد : ويقال : صغوه معك وصغوه وصغاه.
ويقال : أكرموا فلاناً في صاغيته أي في قرابته الذين يميلون إليه ويطلبون ما عنده.
اقترف اكتسب وأكثر ما يكون في الشر والذنوب.
ويقال : خرج يقترف لأهله : أي يكتسب لهم، وقارف فلان الأمر : أي واقعه وقرفه بكذا رماه بريبة، واقترف كذباً وأصله اقتطاع قطعة من الشيء.
﴿ولتصغي له أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ أي ولتميل إليه الضمير يعود على ما عاد عليه في فعلوه، وليرضوه وليكتسبوا ما هم مكتسبون من الآثام.
واللام لام كي وهي معطوفة على قوله غروراً لما كان معناه للغرور، فهي متعلقة بيوحي ونصب غرور الاجتماع شروط النصب فيه، وعدى يوحى إلى هذا باللام لفوت شرط صريح المصدرية واختلاف الفاعل لأن فاعل يوحي هو بعضهم وفاعل تصغى هو ﴿أفئدة﴾، وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة لأنه أولاً يكون الخداع فيكون الميل فيكون الرضا فيكون الفعل فكأن كل واحد مسبب عما قبله.
وقال الزمخشري :﴿ولتصغي﴾ جوابه محذوف تقديره، وليكون ذلك جعلنا لكل نبيّ عدوّاً على أن اللام لام الصيرورة، والضمير في ﴿إليه﴾ راجع إلى ما يرجع إليه الضمير في فعلوه أي ولتميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين أفئدة الكفار انتهى.
وتسمية ما تتعلق به اللام جواباً اصطلاح غريب، وما قاله هو قول الزجاج، قال : تقديره ﴿ولتصغي إليه﴾ فعلوا ذلك فهي لام صيرورة.
وذهب الأخفش إلى أن لام ﴿ولتصغي﴾ هي لام كي وهي جواب لقسم محذوف تقديره.
والله ﴿ولتصغي﴾ موضع ولتصغين فصار جواب القسم من قبيل المفرد فتقول والله ليقوم زيد التقدير أقسم بالله لقيام زيد واستدل على ذلك بقول الشاعر :
إذا قلت قدني قال الله حلفةلتغني عني ذا أنائك أجمعا
وبقوله :﴿ولتصغي﴾ والرد عليه مذكور في كتب النحو.
وقرأ النخعي والجراح بن عبد الله ﴿ولنصغي﴾ من أصغى رباعياً.
وقرأ الحسن بسكون اللام في الثلاثة.
وقيل عنه في ليرضوه وليقترفوا بالكسر في ﴿ولتصغي﴾.
وقال أبو عمرو الداني قراءة الحسن، إنما هي ﴿ولتصغي﴾ بكسر الغين انتهى، وخمرج سكون اللام في الثلاثة على أنه شذوذ في لام كي وهي لام كي في الثلاثة.
وهي معطوفة على غرور أو سكون لام كي في نحو هذا شاذ في السماع قوي في القياس قاله أبو الفتح.
وقال غيره : هي لام الأمر في الثلاثة ويبعد ذلك في ﴿ولتصغي﴾ بإثبات الياء وإن كان قد جاء ذلك في قليل من الكلام.
قرأ قنبل أنه من يتقي ويصبر على أنه يحتمل التأويل.
وقيل هي في ﴿ولتصغي﴾ لام كي سكنت شذوذاً، وفي ﴿ليرضوه وليقترفوا﴾ لام الأمر مضمناً التهديد والوعيد، كقوله :﴿اعملوا ما شئتم﴾ وفي قوله :﴿ما هم مقترفون﴾ أنها تفيد التعظيم والتبشيع لما يعملون، كقوله تعالى :﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى