اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لمّا حَكَى عن الكُفَّار أنَّهم أقْسَمُوا باللَّه جَهْد أيْمانهم، لَئن جَاءَتْهُم آية، ليُؤمِنُنَّ بها، وأجاب عَنْه : بأنه لا فَائِدة في إظْهَار تلك الآيَات ؛ لأنَّه -تعالى- لو أظْهَرَهَا، لبقوا مُصِرِّين على كُفْرِهم، بيَّن في هذه الآية أنَّ الدَّلِيل على نُبُوته، قد حَصَل فكلُّ ما طَلَبُوه من الزِّيادة، لا يَجب الالْتِفَات إليه.
قوله :" أفَغَيْرَ " يجوز نَصْب " غَيْرَ " من وَجْهَين :
أحدهما : أنَّه مَفْعُول ل " أبْتَغي " مقدَّماً عليه، ووَلِيَ الهَمْزَة لما تقدَّم في قوله :﴿أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: ١٤] ويكُون " حَكَماً " حنيئذٍ : إمَّا حالاً، وإمَّا تَمْيِيزاً ل " غَيْر " ذكره الحُوفِيُّ : وأبُو البَقَاء(١)، وابْنُ عَطِيَّة(٢) ؛ كقولهم :" إنَّ غَيْرَها إبلاً ".
الثاني : أن يَنْتَصِب " غَيْرَ " على الحَالِ مِنْ " حَكَماً لأنَّه في الأصْل يَجُوز أن يَكُون وَصْفاً له، و " حَكَماً " هذا المَفْعُول به ؛ فتحصَّل في نَصْب " غَيْر " وجهان، وفي نصب " حَكَماً " ثلاثة أوجه : كونه حالاً، أو مَفْعُولاً، أو تَمْيِيزاً. والحَكَمُ أبلغ من الحَاكِم.
قيل : لأنَّ الحَكَمَ من تكرّر منه الحكم، بخلاف الحاكم، فإنه يصدّق غيره.
وقيل : لأن الحَكَم لا يَحْكُم إلا بالعَدْل، والحاكم قد يَجُور، ومَعْنى الآية الكريمة : قُلْ لَهُم يا محمَّد : أفَغَير اللَّه أطْلب قَاضياً بَيْنِي وبَيْنَكُم، وذلك أنَّهم كَانُوا يَقُولُون للنَّبِيِّ ﷺ : اجعل بَيْنَنا وبَيْنَك حَكَماً، فأجابَهُم به.
قوله :" وهُو الَّذي أنْزَل " هذه الجُمْلة في مَحَلِّ نَصْب على الحَالِ من فاعِل :" أبْتَغِي "، و " مُفَصَّلاً " : حَالٌ من " الكِتَاب " أي مُبينَّاً فيه أمْرُه ونهيه، والمراد بالكِتَاب : القُرآن العَظِيم، وقيل " مُفَصَّلاً " أي : خَمْساً خَمْساً، وعَشْراً عَشْراً، كما قال :﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢].
وقوله :" والذين آتيْنَاهم الكِتَاب " : مُبْتَدأ، و " يعْلَمُونَ " : خَبَره، والجُمْلَة مُسْتَأنَفَة، والمراد بِهِم : عُلَماء اليَهُود والنَّصارى الذين آتيْناهم التَّوْراة والإنْجِيل.
وقيل : هم مُؤمِنو أهل الكِتَاب، وقال عطاء : رُؤسَاء أصْحَاب النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم(٣) والمراد بالكِتَاب : القُرْآن العَظِيم، يَعْلَمون أنه مَنَزَّلٌ.
قرأ(٤) ابنُ عامر، وحَفْص عن عاصم :" مُنَزَّل " بتشْدِيد الزَّاي، والباقُون بِتَخْفيفها، وقد تقدَّم : أنَّ أنزل ونزَّل لُغَتَان، أو بَيْنَهُما فَرْق، و " من ربِّك " لابْتِداء الغَايةِ مَجازاً، و " بالحقِّ " حال من الضَّمِير المُسْتكنِّ في " مُنَزَّل " أي : مُلْتَبِساً بالحَقِّ، فالباء للمُصَاحَبَة.
قوله :" فَلا تكُونَنَّ من المُمْترِين " أي : من الشَّاكين أنَّهم يَعْلَمُون ذلك.
وقيل : هذا من بابِ التَّهْييج والإلْهَاب ؛ كقوله -تعالى- :﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: ١٤].
وقيل : هذا خِطَاب لِكُلِّ أحد، والمعنى : لما ظهرت الدَّلائِل، فلا يَنْبَغِي أنْ يَمْترِي فيه أحَد.
وقيل : هذا الخِطَاب وإن كان في الظَّاهِر للرَّسُول، إلاَّ أن المراد أمته.
١ ينظر: الإملاء ١/٢٥٩..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٣٧..
٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٧/٤٧)..
٤ ينظر: الدر المصون ٣/١٦٥ السبعة ٢٦٦ إتحاف فضلاء البشر ٢/٢٨ النشر ٢/٢٦٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى