فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿أَفَغَيْرَ الله﴾ الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على فعل مقدّر، والكلام هو على إرادة القول، والتقدير : قل لهم يا محمد كيف أضلّ وأبتغي غير الله حكماً ؟ و«غير » مفعول لأبتغي مقدّم عليه، وحكماً المفعول الثاني أو العكس. ويجوز أن ينتصب ﴿حكماً﴾ على الحال، والحكم أبلغ من الحاكم كما تقرر في مثل هذه الصفة المشتقة، أمره الله سبحانه وتعالى أن ينكر عليهم ما طلبوه منه، من أن يجعل بينه وبينهم حكماً فيما اختلفوا فيه، وإن الله هو الحكم العدل بينه وبينهم، وجملة :﴿وَهُوَ الذي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلاً﴾ في محل نصب على الحال، أي كيف أطلب حكماً غير الله، وهو الذي أنزل عليكم القرآن مفصلاً مبيناً واضحاً، مستوفياً لكل قضية على التفصيل، ثم أخبر نبيه ﷺ بأن أهل الكتاب، وإن أظهروا الجحود والمكابرة، فإنهم يعلمون أن القرآن منزل من عند الله بما دلّتهم عليه كتب الله المنزلة، كالتوراة والإنجيل، من أنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء، و ﴿بالحق﴾ متعلق بمحذوف وقع حالاً، أي متلبساً بالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، ثم نهاه الله عن أن يكون من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون بأن القرآن منزل من عند الله بالحق، أو نهاه عن مطلق الامتراء، ويكون ذلك تعريضاً لأمته عن أن يمتري أحد منهم، أو الخطاب لكل من يصلح له، أي فلا يكوننّ أحد من الناس من الممترين، ولا يقدح في ذلك كون الخطاب لرسول الله ﷺ، فإن خطابه خطاب لأمته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿مُفَصَّلاً﴾ قال : مبيناً. وأخرج عبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله :﴿صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ قال : صدقاً فيما وعد، وعدلاً فيما حكم. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وأبو نصر السجزي في الإبانة، عن محمد بن كعب القرظي، في قوله :﴿لاَ مُبَدّلَ لكلماته﴾ قال : لا تبديل لشيء قاله في الدنيا والآخرة لقوله :﴿مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ﴾. وأخرج ابن مردويه، وابن النجار، عن أنس، عن النبيّ ﷺ في قوله :﴿وَتَمَّتْ كَلِمَات رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ قال :«لا إله إلا الله» وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي اليمان عامر بن عبد الله قال : دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم فتح مكة، ومعه مخصرة، ولكل قوم صنم يعبدونه، فجعل يأتيها صنماً صنماً ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره، فكلما طعن صنماً أتبعه ضرباً بالقوس حتى يكسروه ويطرحوه خارجاً من المسجد، والنبيّ يقول :﴿وَتَمَّتْ كَلِمَات رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدّلِ لكلماته وَهُوَ السميع العليم﴾.