اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
لما بين أنَّه فَصَّل المُحَرَّمات، أتْبَعه بما يَجِبُ تَرْكُه بالكُلِّية، والمُرَادُ به : ما يُوجِبُ الإثْمَ، و هي الذُنُونب كُلُّها.
قال قتادة : المُراد " بِبَاطِنه وظَاهره " عَلانيته وسِرَّه.
وقال مُجَاهِد : ظاهرة مِمَّا يَعْمَلُه الإنْسَان بالجوارح من الذُّنُوب، وباطنه : ما يَنْويه ويَقْصده بقلبه ؛ كالمُصِرِّ على الذَّنْب(١).
وقال الكَلْبِيُّ : ظاهِره : الزِّنَا، وبَاطنه المُخَالة(٢)، وأكثر المُفَسِّرين على أنَّ ظَاهِره : الإعلان بالزِّنَا، وهم أصْحاب الرَّايَات، وباطنه : الاسْتِسْرَار، وكانت العرب يُحِبُّون الزِّنَا، وكان الشَّرِيف يَسْتَسِرُّ به، وغير الشَّريف لا يُبالي به، فَيُظْهره.
وقال سعيد بن جُبَيْر : ظاهر الإثْم : نكاح المحارم، وباطنه الزِّنا(٣).
وقال ابن زَيْد : ظاهره : التَّعرِّي من الثياب في الطَّواف والباطِن : الزِّنَا(٤)، وروى حيَّان عن الكَلْبِي - رحمه الله - ظَاهِر الإثْم : طَواف الرِّجَال بالبيْت نَهَاراً عُرَاةً، وباطنه : طَوَاف النِّسَاء باللَّيْل عُرَاة(٥).
وقيل هذا النَّهي عامٌ في جميع المُحَرَّمات، وهو الأصحُّ ؛ لأن تَخْصِيص اللَّفظ العام بصُورة مُعَيَّنة من غَيْر دليل، غير جائز، ثم قال :" إنَّ الذين يَكْسِبُون الإثْم سَيُجزون بِمَا كَانُوا يَقْتِرفُون " والاقْتِرَاف : الاكِتسَاب كما تقدَّم، وظاهر النَّصِّ يدلُّ على أنَّه لا بُدَّ وأنْ يُعَاقب المُذنب على الذَّنب، إلا أنَّ المُسْلِمين أجْمَعُوا على أنَّه إذا تاب، لم يُعاقب، وأهْل السُّنَّة زادُوا شَرْطاً، وهو أنَّه - تبارك وتعالى- قد يَعْفُو عن المُذْنِب ؛ لقوله - تبارك وتعالى- :﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] الآية.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٢٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٧٨) وعزاه لابن المنذر وأبي الشيخ..
٢ انظر البحر المحيط لأبي حيان (٤/٢١٤)..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٢٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٣/٧٧ ـ ٧٨) وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وانظر البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (٤/٢١٤)..

٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٥/٣٢٤) وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٤/٢١٤)..
٥ ذكره البغوي ٢/١٢٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى