جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنّمَا يَصّعّدُ فِي السّمَآءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرّجْسَ عَلَى الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ للإيمان به وبرسوله وما جاء به من عند ربه فيوفقه له، يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ يقول : فسح صدره لذلك وهوّنه عليه وسهله له بلطفه ومعونته، حتى يستنير الإسلام في قلبه، فيضيء له ويتسع له صدره بالقبول. كالذي جاء الأثر به عن رسول الله ﷺ، الذي :
حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، قال : سمعت أبي يحدّث، عن عبد الله بن مرّة، عن أبي جعفر، قال : لما نزلت هذه الآية : فَمَنْ يُرِدَ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ قالوا : كيف يشرح الصدر ؟ قال :«إذا نَزَلَ النّورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ له الصّدْرُ وانْفَسَحَ ». قالوا : فهل لذلك آية يعرف بها ؟ قال :«نَعَمْ، الإنَابَةُ إلى دَار الخُلُودِ، والتّجَافي عن دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدَادُ للمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرّة، عن أبي جعفر، قال : سئل النبيّ ﷺ : أيّ المؤمنين أكيس ؟ قال :«أكْثَرُهُمْ للْمَوْت ذكْرا، وأحْسَنُهُمْ لمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادا ». قال : وسئل النبيّ ﷺ عن هذه الاَية : فَمُنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ قالوا : كيف يشرح صدره يا رسول الله ؟ قال :«نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ » قالوا : فهل لذلك من أمارة يُعرف بها ؟ قال :«الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتّجافِي عَنْ دَار الغُرور، وَالاسْتِعْدادُ للْمَوْت قَبْلَ المَوْت ».
حدثنا هناد، قال : حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن عمرو بن مرّة، عن رجل يكني أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال : سئل النبيّ ﷺ عن قوله : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ قال :«نُورٌ يُقْذَفُ فِي القَلْبِ فَيَنْشَرِحُ ويَنْفَسِحُ ». قالوا : يا رسول الله، هل له من أمارة يُعرف بها ؟ ثم ذكر باقي الحديث مثله.
حدثني محمد بن العلاء، قال : حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني، قال : قال : حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال : قيل لرسول الله ﷺ حين نزلت هذه الاَية : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ ؟ قال :«إذَا دَخَلَ النّورُ القَلْبَ انْفَسَحَ وانْشَرَحَ » قالوا : فهل لذلك من أمارة يُعرف بها ؟ قال :«الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتّنَحّي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاِسْتِعْدَادُ للمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ ».
حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، عن خالد بن أبي كريمة، عن عبد الله بن المسور، قال : قرأ رسول الله ﷺ : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ ثم قال رسول الله ﷺ :«إذَا دَخَلَ النورُ القَلْبَ انْفَسَحَ وانْشَرَحَ ». قالوا : يا رسول الله، وهل لذلك من علامة تُعرف ؟ قال :«نَعَمْ، الإنابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، والتّجافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، وَالاِسْتِعْدَادُ للمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ ».
حدثني ابن سنان القزاز، قال : حدثنا محبوب بن حسن الهاشمي، عن يونس، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ، قال : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ قالوا : يا رسول الله، وكيف يشرح صدره ؟ قال :«يُدْخَلُ فيهِ النّورُ فَيَنْفَسِحُ ». قالوا : وهل لذلك من علامة يا رسول الله ؟ قال :«التّجافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والإنابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، وَالاِسْتِعْدَادَ للمَوْتِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ المَوْتُ ».
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ أما يشرح صدره للإسلام : فيوسع صدره للإسلام.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : فَمَنْ يَرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ ب«لا إلَهَ إلاّ اللّهُ ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءة : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ ب«لا إلَهَ إلاّ اللّهُ » يَجْعَلْ لَهَا فِي صَدْرِهِ مُتّسَعا.
يقول تعالى ذكره : ومن أراد الله إضلاله عن سبيل الهدى يشغله بكفره وصدّه عن سبيله، ويجعل صدره بخذلانه وغلبة الكفر عليه حرجا. والحرج : أشدّ الضيق، وهو الذي لا ينفذ من شدّة ضيقه، وهو ههنا الصدر الذي لا تصل إليه الموعظة ولا يدخله نور الإيمان لرَيْنِ الشرك عليه. وأصله من الحرج، والحَرَجُ جمع حَرَجة : وهي الشجرة الملتفّ بها الأشجار، لا يدخل بينها وبينها شيء لشدّة التفافها بها. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا هشيم، قال : حدثنا عبد الله بن عمار رجل من أهل اليمن، عن أبي الصلت الثقفي : أنّ عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قرأ هذه الاَية : وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقا حَرَجا بنصب الراء. قال : وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله ﷺ «ضَيّقا حَرِجا ». قال صفوان : فقال عمر : ابغوني رجلاً من كنانة واجعلوه راعيا، وليكن مدلجيّا قال : فأتوه به، فقال له عمر : يا فتى ما الحَرَجة ؟ قل : الحرجة فينا : الشجرة تكون بين الأشجاء التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء. قال : فقال عمر : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقا حَرَجا يقول : من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقا والإسلام واسع، وذلك حين يقول : وَما جَعَلَ عَلَيْكُم فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ يقول : ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : شاكّا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : حدثنا حميد، عن مجاهد : ضَيّقا حَرَجا قال : شاكّا.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : ضَيّقا حَرَجا أما حرجا : فشاكّا.
وقال آخرون : معناه : ملتبسا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقا حَرَجا قال : ضيقا : ملتبسا.
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن الحسن، عن قتادة أنه كان يقرأ : ضَيقا حَرَجا يقول : ملتبسا.
وقال آخرون : معناه أنه من شدّة الضيق لا يصل إليه الإيمان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقا حَرَجا قال : لا يجد مسلكا إلا صُعُدا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عطاء الخراساني : ضَيقا حَرَجا قال : ليس للخير فيه منفذ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن عطاء الخراساني مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج عن ابن جريج، قوله : وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقا حَرَجا بلا إله إلا الله لا يجد لها في صدره مساغا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءة، في قوله : وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقا بلا إله إلا الله، حتى لا يستطيع أن تدخله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم : ضَيقا حَرَجا بفتح الحاء والراء من حَرَجا، وهي قراءة عامة المكيين والعرقيين، بمعنى : حَرَجة على ما وصفت. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة :«ضَيقا حَرِجا » بفتح الحاء وكسر الراء.
ثم اختلف الذين قرأوا ذلك في معناه، فقال بعضهم : هو بمعنى الحَرَج، وقالوا : الحَرَج بفتح الحاء والراء، والحَرِج بفتح الحاء وكسر الراء بمعَنى واحد، وهما لغتان مشهورتان، مثل الدّنَف والدّنِف، والوَحَد والوَحِد، والفَرَد والفَرِد.
وقال آخرون منهم : بل هو بمعنى الإثم من قولهم : فلان آثمٌ حَرِجٌ. وذكر عن العرب سماعا منها : حَرِجٌ عليك ظلمي، بمعنى : ضِيقٌ وإثم.
والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ولغتان مستفيضتان بمعنى واحد، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب لاتفاق معنييهما، وذلك كما ذكرنا من الروايات عن العرب في الوحَد والفَرَد بفتح الحاء من الوَحَد والراء من الفَرَد وكسرهما بمعنى واحد. وأما الضّيّق، فإن عامة القرّاء على فتح ضاده وتشديد يائه، خلا بعض المكيين فإنه قرأه :«ضَيْقا » بفتح الضاد وتسكين الياء وتخفيفه. وقد يتجه لتسكينه ذلك وجهان : أحدهما أن يكون سكنه وهو ينوي معنى التحريك والتشديد، كما قيل : هَيْن لَين، بمعنى : هَيّن لَيّن. والآخر أن يكون سكنّه بنية المصدر من قولهم : ضاق هذا الأمر يضيق ضَيْقا، كما قال رؤبة :
ومنه قول الله : وَلا تَكُ فِي ضيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ. وقال رؤبة أيضا :
***وشَفّها اللّوْحُ بِمأزُولٍ ضَيَقْ ***
بمعنى : ضيق. وحُكي عن الكسائي أنه كان يقول : الضيق بالكسر : في المعاش والموضع، وفي الأمر الضيق.
وفي هذه الاَية أبين البيان لمن وفق لفهمها عن أن السبب الذي به توصل إلى الإيمان والطاعة غير السبب الذي به توصل إلى الكفر والمعصية، وأن كلا السببين من عند الله وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر عن نفسه أنه يشرح صدر من أراد هدايته للإسلام، ويجعل صدر من أراد إضلاله ضيقا عن الإسلام حرجا، كأنما يصعد في السماء. ومعلوم أن شرح الصدر للإيمان خلاف تضييقه له، وأنه لو كان توصل بتضييق الصدر عن الإيمان إليه لم يكن بين تضييقه عنه وبين شرحه
يقول تعالى ذكره : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ للإيمان به وبرسوله وما جاء به من عند ربه فيوفقه له، يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ يقول : فسح صدره لذلك وهوّنه عليه وسهله له بلطفه ومعونته، حتى يستنير الإسلام في قلبه، فيضيء له ويتسع له صدره بالقبول. كالذي جاء الأثر به عن رسول الله ﷺ، الذي :
حدثنا سوار بن عبد الله العنبري، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، قال : سمعت أبي يحدّث، عن عبد الله بن مرّة، عن أبي جعفر، قال : لما نزلت هذه الآية : فَمَنْ يُرِدَ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ قالوا : كيف يشرح الصدر ؟ قال :«إذا نَزَلَ النّورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ له الصّدْرُ وانْفَسَحَ ». قالوا : فهل لذلك آية يعرف بها ؟ قال :«نَعَمْ، الإنَابَةُ إلى دَار الخُلُودِ، والتّجَافي عن دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدَادُ للمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ ».
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا الثوريّ، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرّة، عن أبي جعفر، قال : سئل النبيّ ﷺ : أيّ المؤمنين أكيس ؟ قال :«أكْثَرُهُمْ للْمَوْت ذكْرا، وأحْسَنُهُمْ لمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادا ». قال : وسئل النبيّ ﷺ عن هذه الاَية : فَمُنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ قالوا : كيف يشرح صدره يا رسول الله ؟ قال :«نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَسِحُ » قالوا : فهل لذلك من أمارة يُعرف بها ؟ قال :«الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتّجافِي عَنْ دَار الغُرور، وَالاسْتِعْدادُ للْمَوْت قَبْلَ المَوْت ».
حدثنا هناد، قال : حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن عمرو بن مرّة، عن رجل يكني أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال : سئل النبيّ ﷺ عن قوله : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ قال :«نُورٌ يُقْذَفُ فِي القَلْبِ فَيَنْشَرِحُ ويَنْفَسِحُ ». قالوا : يا رسول الله، هل له من أمارة يُعرف بها ؟ ثم ذكر باقي الحديث مثله.
حدثني محمد بن العلاء، قال : حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد الحراني، قال : قال : حدثنا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال : قيل لرسول الله ﷺ حين نزلت هذه الاَية : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ ؟ قال :«إذَا دَخَلَ النّورُ القَلْبَ انْفَسَحَ وانْشَرَحَ » قالوا : فهل لذلك من أمارة يُعرف بها ؟ قال :«الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتّنَحّي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاِسْتِعْدَادُ للمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ ».
حدثني سعيد بن الربيع الرازي، قال : حدثنا سفيان بن عيينة، عن خالد بن أبي كريمة، عن عبد الله بن المسور، قال : قرأ رسول الله ﷺ : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ ثم قال رسول الله ﷺ :«إذَا دَخَلَ النورُ القَلْبَ انْفَسَحَ وانْشَرَحَ ». قالوا : يا رسول الله، وهل لذلك من علامة تُعرف ؟ قال :«نَعَمْ، الإنابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، والتّجافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، وَالاِسْتِعْدَادُ للمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ ».
حدثني ابن سنان القزاز، قال : حدثنا محبوب بن حسن الهاشمي، عن يونس، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ، قال : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ قالوا : يا رسول الله، وكيف يشرح صدره ؟ قال :«يُدْخَلُ فيهِ النّورُ فَيَنْفَسِحُ ». قالوا : وهل لذلك من علامة يا رسول الله ؟ قال :«التّجافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والإنابَةُ إلى دَارِ الخُلُودِ، وَالاِسْتِعْدَادَ للمَوْتِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ المَوْتُ ».
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ أما يشرح صدره للإسلام : فيوسع صدره للإسلام.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله : فَمَنْ يَرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ ب«لا إلَهَ إلاّ اللّهُ ».
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءة : فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسْلامِ ب«لا إلَهَ إلاّ اللّهُ » يَجْعَلْ لَهَا فِي صَدْرِهِ مُتّسَعا.
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقا حَرَجا.
يقول تعالى ذكره : ومن أراد الله إضلاله عن سبيل الهدى يشغله بكفره وصدّه عن سبيله، ويجعل صدره بخذلانه وغلبة الكفر عليه حرجا. والحرج : أشدّ الضيق، وهو الذي لا ينفذ من شدّة ضيقه، وهو ههنا الصدر الذي لا تصل إليه الموعظة ولا يدخله نور الإيمان لرَيْنِ الشرك عليه. وأصله من الحرج، والحَرَجُ جمع حَرَجة : وهي الشجرة الملتفّ بها الأشجار، لا يدخل بينها وبينها شيء لشدّة التفافها بها. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا هشيم، قال : حدثنا عبد الله بن عمار رجل من أهل اليمن، عن أبي الصلت الثقفي : أنّ عمر بن الخطاب رحمة الله عليه قرأ هذه الاَية : وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقا حَرَجا بنصب الراء. قال : وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله ﷺ «ضَيّقا حَرِجا ». قال صفوان : فقال عمر : ابغوني رجلاً من كنانة واجعلوه راعيا، وليكن مدلجيّا قال : فأتوه به، فقال له عمر : يا فتى ما الحَرَجة ؟ قل : الحرجة فينا : الشجرة تكون بين الأشجاء التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء. قال : فقال عمر : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقا حَرَجا يقول : من أراد الله أن يضله يضيق عليه صدره حتى يجعل الإسلام عليه ضيقا والإسلام واسع، وذلك حين يقول : وَما جَعَلَ عَلَيْكُم فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ يقول : ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه : شاكّا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا عمران بن موسى، قال : حدثنا عبد الوارث بن سعيد، قال : حدثنا حميد، عن مجاهد : ضَيّقا حَرَجا قال : شاكّا.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : ضَيّقا حَرَجا أما حرجا : فشاكّا.
وقال آخرون : معناه : ملتبسا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقا حَرَجا قال : ضيقا : ملتبسا.
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن الحسن، عن قتادة أنه كان يقرأ : ضَيقا حَرَجا يقول : ملتبسا.
وقال آخرون : معناه أنه من شدّة الضيق لا يصل إليه الإيمان. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جرير، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقا حَرَجا قال : لا يجد مسلكا إلا صُعُدا.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عطاء الخراساني : ضَيقا حَرَجا قال : ليس للخير فيه منفذ.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن عطاء الخراساني مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج عن ابن جريج، قوله : وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقا حَرَجا بلا إله إلا الله لا يجد لها في صدره مساغا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج قراءة، في قوله : وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقا بلا إله إلا الله، حتى لا يستطيع أن تدخله.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعضهم : ضَيقا حَرَجا بفتح الحاء والراء من حَرَجا، وهي قراءة عامة المكيين والعرقيين، بمعنى : حَرَجة على ما وصفت. وقرأ ذلك عامة قرّاء المدينة :«ضَيقا حَرِجا » بفتح الحاء وكسر الراء.
ثم اختلف الذين قرأوا ذلك في معناه، فقال بعضهم : هو بمعنى الحَرَج، وقالوا : الحَرَج بفتح الحاء والراء، والحَرِج بفتح الحاء وكسر الراء بمعَنى واحد، وهما لغتان مشهورتان، مثل الدّنَف والدّنِف، والوَحَد والوَحِد، والفَرَد والفَرِد.
وقال آخرون منهم : بل هو بمعنى الإثم من قولهم : فلان آثمٌ حَرِجٌ. وذكر عن العرب سماعا منها : حَرِجٌ عليك ظلمي، بمعنى : ضِيقٌ وإثم.
والقول عندي في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان ولغتان مستفيضتان بمعنى واحد، وبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب لاتفاق معنييهما، وذلك كما ذكرنا من الروايات عن العرب في الوحَد والفَرَد بفتح الحاء من الوَحَد والراء من الفَرَد وكسرهما بمعنى واحد. وأما الضّيّق، فإن عامة القرّاء على فتح ضاده وتشديد يائه، خلا بعض المكيين فإنه قرأه :«ضَيْقا » بفتح الضاد وتسكين الياء وتخفيفه. وقد يتجه لتسكينه ذلك وجهان : أحدهما أن يكون سكنه وهو ينوي معنى التحريك والتشديد، كما قيل : هَيْن لَين، بمعنى : هَيّن لَيّن. والآخر أن يكون سكنّه بنية المصدر من قولهم : ضاق هذا الأمر يضيق ضَيْقا، كما قال رؤبة :
| وَقَدْ عَلِمْنا عندَ كُلّ مَأْزِقِ | ضَيْقٍ بوَجْهِ الأمرِ أيّ مَضْيَقِ |
***وشَفّها اللّوْحُ بِمأزُولٍ ضَيَقْ ***
بمعنى : ضيق. وحُكي عن الكسائي أنه كان يقول : الضيق بالكسر : في المعاش والموضع، وفي الأمر الضيق.
وفي هذه الاَية أبين البيان لمن وفق لفهمها عن أن السبب الذي به توصل إلى الإيمان والطاعة غير السبب الذي به توصل إلى الكفر والمعصية، وأن كلا السببين من عند الله وذلك أن الله جلّ ثناؤه أخبر عن نفسه أنه يشرح صدر من أراد هدايته للإسلام، ويجعل صدر من أراد إضلاله ضيقا عن الإسلام حرجا، كأنما يصعد في السماء. ومعلوم أن شرح الصدر للإيمان خلاف تضييقه له، وأنه لو كان توصل بتضييق الصدر عن الإيمان إليه لم يكن بين تضييقه عنه وبين شرحه